وأسدل الستار.. نضوب النفط، والحروب ومصير المجتمعات الصناعية

صورة محمد عمران أبومّيس

منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين تسارعت وتيرة صدور سيل جارف من الكتب والدراسات والمقالات، وأعدت المئات من البرامج والأشرطة الوثائقية، ونظمت العشرات من المؤتمرات والمنتديات، وعقدت اللقاءات علانية وخلف الكواليس، ورسمت الاستراتيجيات والخطط.. والمؤامرات.. وتم التلويح بالعصي والجزرات. وكل هذا النشاط المحموم كان حول النفط والذي يعتبر – مع الغاز – عصب الحياة المعاصرة.

وقد قُتل هذا العصب – إن صح التعبير – دراسة وبحثا على كافة الصعد العلمية منها والأكاديمية والسياسية والصحفية، وتناول ما صدر كل ما يتعلق بهذه الاستراتيجية من حيث منابعها، وإنتاجها، وأسعارها، وسياساتها، ومستقبلها، وبدائلها، وتأثيراتها الملحوظة في شتى مناحي الحياة. ويتراوح ما صدر من البحث الأصيل والدراسة المعنقة والتناول الحيادي، وبين التقارير الموجهة والمقالات السيارة.. بين الدقة والشمولية وبين الإغراق في السطحية والتهويل الذي يصل حد ليّ الحقائق والأرقام أحيانا كثيرة خدمة لمصالح معينة. والكتاب الذي نعرضه لا يشذ عن السياق العام في المعالجة من حيث الموضوع، لكنه يتميز بمحاولة استشراف عالم ما بعد النفط، ويدق ناقوس خطر داهم سيلحق بالمجمتعات الصناعية خاصة وبالعالم عامة.

ومؤلف الكتاب صحفي ومحاضر ومربّ وموسيقار، وهو من ذوي الاختصاص في الجوانب الاجتماعية والثقافية لقضايا الطاقة والبيئة، وقد صدرت له أربعة كتب قيمة نال أحدها حول الحضارة والتجديد الثقافي جائزة معتبرة.

ويسعى مؤلف الكتاب إلى بلورة والتأكيد على فكرة محورية مؤداها أن الحضارة الصناعية قائمة على استهلاك موارد الطاقة المحدودة – بطبيعتها – من حيث الكمية، والتي ستصبح شديدة الندرة في المدى المنظور. وعندها سيتفجر الصراع ويحتدم التنافس على ما تبقى منها، وستتسع رقعة حروب الموارد التي لاحت نذرتها في الأفق، وفي النهاية قد يكون من المستحيل استمرار أنماط التصنيع الحالية حتى بالنسبة للدول منفردة.

ويقوم الكتاب على ست ركائز أو منطلقات أساسية هي:

- اعتماد المجتمعات الصناعية الحديثة الكامل والمطلق على موارد الطاقة الأحفورية، وعجز بدائل النفط عن توفير مورد طاقة ملائم.

- عدم حصانة المجتمعات الصناعية حيال الاضطرابات والقلاقل الاقتصادية والسياسية الناجمة حتى عن الانخفاض الطفيف في إمدادات النفط.

- النضوب المحتم لموارد الوقود الأحفوري.

- فورية بلوغ ذروة الإنتاج، مما يعني أن المتوفر من النفط والغاز سيصبح في المدى المنظور أقل كل سنة تمر بغض النظر عن عدد المناطق المستكشفة أو عدد الآبار المحفورة.

- دور النفط في سياسة الولايات المتحدة الخارجية، والإرهاب، والحروب، والأوضاع الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين.

- ضرورة تعاون الجميع فيما يتعلق بذروة إنتاج النفط القادمة بذكاء وبطريقة تقلل من المعاناة الإنسانية على المدى القريب، وتمكن على المدى البعيد الأجيال القادمة من الإسهام في تطوير مجتمعات تنعم بالاستقرار والقناعة وتعزز وتعمق أرقى وأفضل الملكات الإنسانية.

هذه الركائز أو المنطلقات يعالجها الكتاب في مقدمة وستة فصول.

الفصل الأول عبارة عن مناقشة عامة للطاقة ودورها الحاسم في حياة المجتمعات الإنسانية ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وهو بمثابة جولة استكشافية في ميادين البيئة والأنثروبولوجيا الثقافية، والتاريخ، والعلاقات الوثيقة التي تربط الطاقة بهذه الميادين.

ويتتبع الفصل الثاني مسار العصر الصناعي – وبالذات الفترة المتميزة برخص الطاقة – بدءا من مشروع الأوروبيين في استغلال الفحم الحجري في القرن الثاني عشر وانتهاء بأعجوبات القرن العشرين المتمثلة في استخدامات النفط والكهرباء وما نتج عنها من اختراعات ووسائل راحة.

أما الفصل الثالث فهو يمثل من عدة أوجه الثقل المعلوماتي للكتاب، إذ إنه يقيم الموارد النفطية، ويعرض تقديرات الاحتياطات الحالية ومعدلات استنفادها، كما أنه يطرح وجهة نظر جريئة في هذا الإطار تتناقض في كثير من الأحيان مع التحليلات والتقديرات والتفسيرات التي يصوغها الاقتصاديون ورجال السياسة. ومن بين التساؤلات التي يحاول هذا الفصل استجلاءها: لماذا تختلف تقديرات احتياط النفط الخام التي يضعها الجيولوجيون اختلافا كبيرا عن تقديرات الهيئات والوكالات الحكومية؟.

ويستكشف الفصل الرابع بدائل النفط المتاحة من الفحم والغاز الطبيعي إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين.

ويناقش الفصل الخامس مضامين وانعكاسات الاقتراب السريع للعالم من بلوغ ذروة إنتاج الوقود الأحفوري، ويبحث العلاقة بين الاعتماد على النفط، ومنظومات الغذاء العالمية، والاقتصاد العالمي. كما يبحث التنافس الاستراتيجي الدولي على الموارد النفطية المتضائلة، ويحاول التنبؤ بحروب الموارد المحتملة ونقاطها الساخنة.

ويطرح الفصل السادس السؤال الأساس: ما العمل؟ سواء على مستوى الأفراد أو المجموعات أو الأمم أو العالم بأسره. ويستشرف الحلول الممكنة لمجابهة عصر ما بعد النفط ابتداء من الخطوات العملية البسيطة التي يمكن لأي فرد اتخاذها وانتهاء بصياغة توصيات مطروحة على طاولات مادة العالم.

ويرى المؤلف أنه يتحتم على المجتمعات أن تقرر الآن نوعية استجابتها لمرحلة الندرة النفطية. وأمام البشرية جمعاء خياران لا ثالث لهما: إما المنافسة الضارية الشرسة وما يترتب عنها من مخاطر وأهوال أو التعاون البنّاء لما فيه رفاه الأجيال القادمة. كلمة أخيرة لا مندوحة من ذكرها وهي أن الكتاب يركز بالدرجة الأولى والأهم على تأثيرات الندرة النفطية على حياة ومستقبل المجتمعات الصناعية. لكن هذا لا يقلل من قيمته، إذ إن هذه التأثيرات لابد – في ظل العولمة – من أن تمس حياة ومستقبل بقية شعوب العالم إيجابا وسلبا.
---------------------------------------

The party’s over: Oil, War and the Fate of Industrial Societies
تأليف: ريتشارد هاينبرغ
الناشر: New Society Publishers
Canada, www.newsociety.com
الطبعة الأولى 2003
ISBN O-86571-482-7
عدد الصفحات: 276 صفحة

ملف النهضة: