النبوة.. جدلية الماضي والحاضر!!

صورة يحيى السيد أبو مسامح

بسم الله الرحمن الرحيم
مما تعارفه الناس وتناقله الخبر, أنه ما من قوم غابر إلا وأتاه نبي أو رسول!! (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ), إلا أنه وفي حدث قرآني استثنائي, يسطر مشهد "وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى, قال يا قوم اتبعوا المرسلين" وهذا قادنا إلى التساؤلات التاليه:
ما هي علاقة المصلحين (المجددين) بمصطلح الأنبياء؟!!
ثم هل يمكن المقارنة التماثلية بين الأنبياء والمفكرين؟ وما أوجه هذه المقارنة؟!!
كيف لنا تصور المشهد بفراغ الأنبياء والمفكرين ... مشاهد قرآنية؟!!
بداية لو ذهبنا إلى المعجم الوسيط "مثلا" وبحثنا عن معنى كلمة نبوة, سنجد كلمات من نفس الجذر (نبأ, نبّأه, تنبأ, نبئ...الخ) وسنجد أن معانيها تدور في أخبر الخبر وبحث عنه.
وسنجد معنى ثوري يقول: النبوءة هي سفارة بين الله عز وجل وبين ذوي العقول لإزاحة عللها. (وتبدل الهمزة واواً وتدغم فيقال: النبوّة) وهي الإخبار عن الشيء قبل وقته حزراً وتخميناً.
أما معنى كلمة النبوة في الوعي الجمعي فهي: "ظهور شخص ما، بين ظهراني قوم ما، في زمن ما, يحمل رسالةً بعينها ويدّعي أنها من عند الله ومكلف بتبليغها إياهم مبيناً أدلته وبراهينه.
وهذا لن يحدث بعد موت محمد صلى الله عليه وسلم "مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ", ومن يدّعي هذه الصفة بعد موته فهو في عقيدتنا- قطعا- مفترٍ كاذب.
عندما نأخذ تعريف المعجم (سفارة بين الله وذوي العقول لإزاحة عللها) ونقارنه مع قوله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)..
وعندما نبحث في سر قوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) وتخليد قصة المصلح من بني اسرائيل في سورة يس رغم وجود عدد من المرسلين (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ)..
ثم إذا عمقنا البحث تحت (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وفي نفس اللحظة (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)
وإذا نقبنا أكثر في قصة غلام الأخدود من وجهين اثنين:
الوجه الأول: سرد القصة قرآنيّا كقصص الأنبياء والمرسلين من حيث المهمة والأداء والعاقبة.
الوجه الثاني: الاكتفاء بالغلام للقيام بمهمة الأنبياء دون إرسال رسل.
نستطيع عندها إدراك البعد الفلسفي العميق لمفهوم النبوة على أنها سفارة بين الله وذوي العقول لإزاحة العلل عنها.
الأنبياء جاؤوا مصلحين (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)...
وجاؤوا مبلغين (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)...
وجاؤوا مبشرين ومنذرين (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)...
ولُب الرسالة النبوية الخاتمة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
والإنسان بعقله يستطيع أن يحدد دور الأنبياء بدقة ويفهم رسالتهم التكليفية, ثم بممكناته الممنوحة له يصبح فعلياً منوطا بدور الأنبياء.
يقول الدكتور محمد راتب النابلسي في تعليقه على الآية (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ)!! أين هو النذير يا رب؟! هم العلماء بعد الرسل.
ولذلك (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ)
وفي تعليقه على قوله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) يقول:
"هذه الآية تنسحب على الدعاة المخلصين يبلغون رسالات الله, صفة واحدة إذا توافرت فيهم صحّت مهمتهم، وهي خشية الله وعدم خشية من سواه, لأن هذا الذي ينوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إلقاء العلم وتبليغ دعوة الله إلى الناس لو أنه خشي غير الله لسكت عن الحق إرضاءً لهذا الذي خشيه من دون الله، ولنطق بالباطل إرضاءً لهذا الذي خشيه من دون الله، فإذا سكت عن الحق ونطق بالباطل فماذا بقي من مهمة تبليغ رسالات الله, من باب أولى أن الذي يخشى غير الله ليس أهلاً أن يُبلّغ رسالات الله, والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ جامعٍ مانعٍ يقول: "كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً"" ( ورد في الأثر(
ثم إن مصطلح النبوة يحمل ثورة عقلية تساؤلية وجدانية مستمرة ما الذي يريده الله مع هذا التطور (الكون و المعرفة - الطبيعة والنفس - آيات الآفاق وآيات الأنفس) المستمر.!! (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ).
إن فكرة النبوة الخاتمة تحمل في رحمها فكرة انقلابية على ذاتها.. فكرة قادت نفسها إلى إلغاء نفسها وميلاد فكرة بديلة.
يقول المفكر الفيلسوف الإسلامي محمد إقبال: ( إن النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في إدراك الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسَها, وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمداً إلى الأبد على مقود يُقاد منه, وإن الإنسان لكي يُحَصِّل كمال معرفته بنفسه ينبغي أن يُترك لِيَعتَمِدَ في النهاية على وسائله هو).
وإن مولد الإسلام هو مولد العقل الاستدلالي كما يقول فيلسوف الإسلام محمد إقبال.
ثم إن إبطال الإسلام للوصاية والسيطرة (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) والاكتفاء بالتذكير والتبليغ (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) والدعوة إلى النظر والتعقل والتفكر والتدبر والتبين والدليل والبرهان, لهي صور مختلفة لفكرة انتهاء النبوة.
إن النبوة قديمة وحديثة, قديمة في زمن انبعاثها وحديثة متجددة في روحها وجوهرها وفلسفتها ومفهومها.
إن الرسول جاء مبشراً ونذيراً برسالة عالمية تحمل الرحمة لهم (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ليقوم الناس بالقسط.
وهذا مضمون الرسالة كما فهمها ربعي بن عامر عندما قال: (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلا سعة الدنيا والآخرة)
إذا تبلور في أذهاننا ما سبق نستطيع حينها أن نتجاوز الزاوية الضيقة لمعنى النبوة ونفتح نافذة جديدة تطل على المفكرين والعلماء والمجددين والمصلحين والدعاة.
الصورة المشتركة للأنبياء والمفكرين!!
سنحاول أن نقرب الصورة إلى ذهن القارئ برسم تخطيطي توضيحي ولكن يجب أن نقف على نقطة تُجسّد العلماء ذهنيا.
حسب المفهوم القرآني فالعلماء هم من يهتدون إلى حقيقة الخشية من الله ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) وهم الذين يدركون الحق (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ) وهم أيضاً يرون ما أوحي أنه الحق (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) والذين أوتوا العلم "الفكر" لم ينخدعوا ببهارج الدنيا وزينتها (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (*) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ) كما أن العلماء الذين امتلكوا تلك الصفات لا يمكنهم التدليس على الناس وتسميم أفكارهم أو التحفظ على أفكارهم الميتة والمميتة, تحججاً بالحفاظ على وحدة الصف الإسلامي من التمزق, فيخشون النقد وتصحيح الأفكار ويكتفون بالفهم الخاطئ للنصوص ثم سوقها في مكانها الخطأ للحفاظ على أعلى مستوى من التبرير للأفكار السائدة (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ)!!!
==============================================================================================
وجه المقارنة              الأنبياء                                                                                                       المفكرون
==============================================================================================
صورة المجتمع          اختلال عقائدي, اختلال مفاهيمي, اختلال اجتماعي                                      اختلال واضح في عالم الأفكار وعالم الأشخاص وعالم الأشياء.
                           اختلال قيم, اختلال علمي.
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
منهجية الجمهور       بل نتبع ما وجدنا عليه آباؤنا, قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباؤنا                             الظن والهوى ومجاراة الأقدمين واتباع السائد والتفكير الجمعي
                         إنا وجدنا آباؤنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.                                                   ومحاربة الجديد ومحاكمة النوايا والتقليد الأعمى والبراديام وغلبة
                                                                                                                                               الأدلجة.
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الأداة                    مخاطبة العقول واتباع المنهج العلمي واستخدام الدليل والبرهان.                         مخاطبة العقول واتباع المنهج العلمي واستخدام الدليل والبرهان.
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الثمن المدفوع          ولقد استهزئ برسل من قبلك, ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون,                                القذف والاتهام بالزندقة والهرطقة والتكفير والتفسيق واتهام العقل
                          كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون.                           والقتل.
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
النتيجة                  إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد,                          يقول مالك بن نبي لزوجته على فراش الموت ستنتشر أفكاري بين
                        ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بهم ما كانوا به يستهزئون,                             الناس بعد موتي بثلاثين عاماً.
                        كتب الله لأغلبن أنا ورسلي وإن الله على نصره لقدير.                                            ويقول سيد قطب إن كلماتنا ستبقى ميتة لا حراك فيها هامدة
                       فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا                                    أعراساً من الشموع, فإذا متنا من أجلها انتفضت وعاشت بين
                        وما كانوا مؤمنين.                                                                                             الأحياء, كل كلمة قد عاشت كانت قد اقتاتت قلب إنسان حي
                                                                                                                                             فعاشت بين الأحياء, والأحياء لا يتبنون الأموات.
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

إن المفكرين كما الأنبياء يهزّون حالة الاستقرار المريحة عند الناس وينفضون غبار الاتِّباع عن صفاء الإبداع, هم كما الأنبياء يمزقون شبكة خيوط الجهل العنكبوتية عن ساحة العلم والدليل والبرهان, ولأنهم استثنائيون دوماً في قومهم ولأنهم ليسوا من الدهماء ولا يقبلون السائد ويشكلون عقولا تتسابق في تطوير النوع الإنساني، كانوا دوما نسختين لصورة واحدة ووجِهوا بالاستنكار الظني وحوكِموا بالمحكمة الحزبية الآبائية.!!
إنني أدرك أن الوحي انقطع ولكنني أدرك أن مهمة الوحي إرسال الرسائل الإلهية للرسل ولم تتجاوز تلك المهمة منذ توقف المعجزات, ولذلك أدرك من خلال القرآن أن الله يرسل آياته وتعليماته وتوجيهاته التي تواكب التطور الكوني الرهيب من خلال العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية ومن خلال سنة التاريخ (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) وسنة التاريخ (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ؟!!)
وسنجد أن الله يُحيل معرفته من خلال الأجوبة الجاهزة (آيات الوحي) إلى إعمال العقل وإيقاظ التساؤل الداخلي واتباع الأدلة الكونية والعلمية والتاريخية لمعرفة الله والتي هي أرقى أنواع المعرفة والتي سميت بالتبين أي المعرفة على بصيرة.
إنني أستطيع بعقلي أن أفهم أن الاتحاد الأوروبي هو التطبيق العملي لقوله تعالى (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) كما أستطيع أن أفهم قوله (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) اليوم بأنهم المسلمون وليس اليهود؛ لأنني أفهم الوحدة والتشتت ليس بالمعنى المجرد ولكن من سياقهما التاريخي على أنهما قوانين, إذا تحالفت مقدماته في ظروف طبيعية قادت إلى النتيجة حتما دون أن تميز بين دين ودين, أو عرق وآخر..  كما أن مرض الكوليرا عندما يجتاح أمة, يصيب الإنسان دون أن يميز دينه ومذهبه وانتماؤه, هكذا السنن. يقول حسن البنا رحمه الله (ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلّابة)
وإن عقلي لا يستطيع أن يستسيغ فهم المسلمون للخيرية (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) كما فهم اليهود والنصارى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) والمسلمون اليوم يقولون مثل هذا (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) ولكنني أفهم الخيرية كقانون يستحقها من يعمل بشرطيه "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" بغض النظر عن الدين, ولهذا يطمئن قلبي عندما أقول: الغرب اليوم بقوانينهم الأخلاقية هم خير أمة ولكن خيريتهم لذاتهم لأن قوانين الأخلاق والقيم بما فيها العدل ما زالت تحكمهم مع ذواتهم ومتحررين منها مع غيرهم من الناس ولو أنهم طبقوا هذه القيم على جميع البشر بمختلف أديانهم وأجناسهم لعندها حق القول بأنهم هم أصحاب المهمة التكميلية لـ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)!!
يقول المفكر جودت سعيد في كتابه "اقرأ وربك الأكرم" في معرض تفسيره للنص القرآني في سورة العلق "أنّ الذين يحوزون كرم الرب هم القرّاء أو أكثر الناس قراءة في العالم.. فاليونان كانوا أكثر الناس قراءة وكتابة أيام حضارتهم.. وهم الذين نالوا كرم الرب وكرامته بين العالم, فقد سيطروا على أكبر رقعة في العالم.. والمسلمون.. انطلقوا من كلمة (اقرأ), فهم عندما ملكوا الدنيا كانوا أقرأ الناس.. لقد نالوا كرم الرب وكرامته من سعة في الدنيا ومكانة في العالم.. وإذا نظرنا حولنا في هذا العصر الذي نعيش فيه نجد أن الذين يتمتعون بخيرات العالم وينالون من الكرم والكرامة هم القراء في هذا العصر".
ونحن كمسلمين نأبى أن ننظر إلى هذه السنن الكونية وسنن التاريخ ونتبصر في حالنا ونتجاوز حالة العُجب الذاتي!! وهنا يبرز دور المفكرين الذين تجاوزوا مقولات الأقدمين ولم يلتفتوا إلى جمود الجامدين منطلقين بين أوساط هذه الجموع التي تتطلع لمستقبل أمتها ولميلاد فجر حضاري جديد.. بكل ما أوتوا من قوة العلم والنظر والتفكير والتبين..!!
ولك أن تتصور ساحة السباق الحضاري وتبصر أمتنا المتقهقرة وسط المتسابقين _إن كانت قد التحقت بالسباق أصلاً_ وأولئك النفر المتعلم, المفكر, المتثبت, المتبين, المجدد, المجتهد, المبدع.. وقد استسلم لدعاة النمطية والتقليد والجمود والاتِّباع وترك العقل.. تخيل وأن أمتنا شجرة تثمر كتلة دهماء.. فما هي العاقبة؟!!
إن اختلال الدور الوظيفي للمفكرين سيصيب أمتنا بسرطان فكري وشلل سلوكي, ونُحال حينها إلى غرفة الأموات نرتقب تقرير الطب الشرعي.. (ولكل أمة أجل)!!
وما السرطان أصلا إلا اختلال وظيفي زماني مكاني للخلية وهكذا تصبح خلايا الغدد مثلاً في الرئتين.. والخطير أن نشاط الأمة حينها بهذا العوج الوظيفي, يصبح ظاهرة هدّامة قاتلة لأنه وحسب تعريف السرطان أن العضوية تعمل ضد نفسها بنفسها.!!
لو قاربنا المثل أكثر وصح لنا أخذ المثال مع تبديل المسميات في مسرحية الظالمين يوم القيامة.. جاء في سورة سبأ (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) الشاهد هنا أن حركة الاستكبار والاستضعاف كأي حركة أخرى مَثَلا: المفكرون والدهماء, المجددون والمقلدون, المجتهدون والجامدون, المبدعون والمبتدعون.. يصفها بحركة ديناميكية مستمرة بين الطرفين فلا يعلو طرف إلا بانخفاض الآخر.!!
هو مشهد تقريبي يدعوا المفكرين لمقاومة التردد والإقدام في مهمة الأنبياء من قبلهم, ويصف لهم خطر الاستسلام وسخافة ترجيح الكفة لمن يعبدون أصنامهم الفكرية..
وفي النهاية إذا فهمنا البعد الفلسفي لمفهوم النبوة وتبلورت في أذهاننا الصورة المرضية لغياب المفكرين عن الساحة وتخيلنا حقيقة المشهد القرآني عند التردد عن إكمال المهمة, سندرك حينها حجم المسؤولية الفردية والجماعية التي تلقيها السماء على عاتق المفكرين ثم سندرك أيضاً يا ليت شعري بأي ذنب يُحارب المفكرون؟!!
 

ملف النهضة: