جغرافية السكّان (الثـابـت والمـتـحـول)

صورة محمد عمران أبومّيس

النمو السكاني، المسألة السكانية، القنبلة السكانية، الظاهرة السكانية.. مسميات وعناوين لقضية باتت تشغل العالم بأسره تتمحور حول ازدياد عدد سكان العالم بوتيرة لم يشهد لها التاريخ البشري مثيلا، وتكتسي أبعادا اقتصادية واجتماعية ودينية وأخلاقية وفلسفية وتاريخية وسياسية. ومن هنا تمثل دراسة السكّان حقلا معرفيا مهما، وتتعاظم أهميته في ظل ما يشهده العالم من تواصل بين شعوبه وأقاليمه، وما يحدثه هذا التواصل من تداخل المصالح، وتنافس وتصارع على مصادر الثروات الطبيعية، وانعكاسات كل ذلك على نوعية حياة البشر.

هذا الحقل المعرفي – أعني الدراسات السكانية أو على وجه أدق علم السكان – تطور عبر التاريخ، وصارت له نظرياته واتجاهاته ومنظروه واختصاصيّوه، وهو يهتم أساسا بدراسة السكّان من حيث العدد، والنوع، والكثافة، والزيادة، والتوزيع، ودرجة التحضر، والهجرة، والولادات، والوفيات، والمرضية والصحة. واستفاد من علوم شتى، كالاقتصاد والجغرافيا والتاريخ والأحياء والإحصاء، في دراسة نمو السكان وحركتهم. ويعتبر علم الجغرافيا – بمختلف فروعه – من العلوم الوثيقة الصلة بالمسألة السكانية.

ولعل في الكتاب الذي نعرضه في هذا العدد من المجلة ما يؤكد هذه الصلة. هذا الكتاب "جغرافية السكان : الثابت والمتحول" من تأليف الدكتور علي لبيب أستاذ الجغرافيا البشرية بكلية الآداب بمنّوبة في تونس. وهو يحمل شهادة دكتوراه في الجغرافيا الاجتماعية من جامعة السربون. وقد سبق له أن درّس الجغرافيا البشرية بدار المعلمين العليا بسوسة، وعمل خبيرا بوحدة البحوث والدراسات السكانية بجامعة الدول العربية، وأشرف على قسم الدراسات بديوان التونسيين بالخارج وقسم الهجرة بمنظمة العمل العربية.

يقع الكتاب في نيف ومائتي صفحة، وهو من منشورات دار النشر شمال جنوب في تونس، وهذه هي طبعته الأولى الصادرة في عام 2003. وهو يشتمل على تقديم وأربعة عشر فصلا ومدعم بسبعة عشر جدولا وإحدى عشرة خريطة. في التقديم يوضح المؤلف المقصود بالثابت والمتحول، حيث يبين أن من ثوابت الجغرافيا السكانية دراستها "للأرقام" ومقابلتها بالعناصر الجغرافية التي تفسر التوزيع السكاني. أما المتحول فهو ما تشهده الجغرافيا السكانية من تحولات في المقاربة وفي عناصر التفسير. وللتدليل على تحولات التفسير يخصص المؤلف الفصل الأول لعرض النظريات الديموغرافية، ويعالجها في بندين هما المدارس النظرية، والمالثوسية.

ففيما يتعلق بالمدارس النظرية يبرز الكتاب أهم اتجاهاتها في عصر اليونان والعصور الوسطى والعصر الحديث، ويوضح أن "الخطاب" الديموغرافي رهن بالعصر الذي ينشأ فيه. فالمفكرون الإغريق يصْبُون إلى الاستقرار الديموغرافي تحقيقا لمصالح سياسية محددة، ومفكرو العصر الوسيط ينحون في تنظيرهم منحى دينيا أخلاقيا، في حين تتضح النزعة "الاقتصادية" لدى المفكرين المحدثين والمعاصرين.

أما المالثوسية فهي في معناها الواسع تشمل جميع النظريات الداعية – أيا كانت مبرراتها – إلى كبح النمو الديموغرافي. ورغم محاولات التنظير المتواصلة يرى المؤلف أن الديموغرافيا لم تدخل نهائيا "حقل المعقولية العلمية" وأنها لذلك تظل إشكالية فلسفية من حيث المفهوم.

وتبرز قضية المفهوم كذلك في الفصل الثاني من الكتاب والمخصص للجغرافيا السكّانية، حيث يؤكد المؤلف عدم وجود إجماع بين الجغرافيين حول تعريف موحد لمفهوم "الجغرافيا السكّانية"، إلا أن غياب الإجماع لا يحول – كما يرى المؤلف –دون القول بأن "الجغرافيا السكّانية تهتم بتوزيع السكّان في المجال وبتمايز تركيباتهم فيه؛ وتسعى إلى تفسير هذا التوزيع وهذه التمايزات".

وبالنسبة لتوزيع السكّان يحدد الفصل ثلاثة مصادر أساسية للمعلومات هي: التعداد، وسجل الحالة المدنية، والمسوحات، ويعرف الفصل كلا من هذه المصادر وأهميتها وتطورها وتعقيداتها. ومن المصادر ينتقل المؤلف في الفصل الثالث للحديث عن التوزيع الجغرافي للسكّان، والنقطة الأبرز التي يعالجها هذا الفصل هي تباين – أو تفاوت – توزيع سكان المعمورة أيا كان المقياس المعتمد في دراسة ظاهرة الاستيطان. وهذا التباين عالمي وإقليمي ومحلي على مستوى العالم.

فمن التباينات عيش 90% من سكان العالم في نصف الأرض الشمالي، وتركزهم بأطراف القارات، والمناطق المنخفضة، ومناطق العالم القديم، إذ من بين 20 شخصا يعيش 17 منهم في العالم القديم، ونصف سكّان العالم يتكدسون في ثمن مساحة الأرض، ونصف اليابسة خال من أي استيطان بشري. أما على المستوى القاري فإن آسيا تؤوي أكبر تركيز للسكان في العالم، تأتي بعدها القارة الأمريكية، فأفريقيا، ثم أوروبا وأوقيانوسيا.

وعلى المستوى الإقليمي هناك أربعة أقاليم سكّانية رئيسة هي آسيا الشرقية، وشبه القارة الهندية، وجنوب شرق آسيا، وأوروبا، وأربعة أقاليم ثانوية، وهناك أيضا تباين في التوزيع بين البلدان. هذا التباين يحكمه ويؤثر فيه عدد من العوامل يتناولها الفصل الرابع من الكتاب. ومن العوامل المؤثرة في التوزيع الجغرافي للسكان ما هو متعلق بالوسط الطبيعي وأخرى ترتبط بالتاريخ. فمن العوامل الطبيعية البرد، والجفاف، والحرارة مع الرطوبة، والتضاريس، والتربة.

أما العوامل التاريخية – وهي الأهم لتفسير التوزيع السكاني – فتشمل: قدم الإعمار، إذ كلما كان تعمير مجال ما قديما كان كثير السكّان، والهجرة التي قد تفوق من حيث الأهمية قدم التعمير، والتجديد التقني كظهور الزراعة أو الرّيّ والتعدين والثورة الصناعية مثلا. ويرتبط بالتوزيع الجغرافي للسكّان مدى زيادتهم أو نقصانهم في إقليم أو منطقة ما، وهو المقصود بالنمو السكّاني الذي يخصص له المؤلف الفصل الخامس. ويفصل المؤلف بين معدل النمو الطبيعي، وهو الفارق بين معدل المواليد ومعدل الوفيات، وبين معدل النمو الديموغرافي وهو ما يساوي معدل النمو الطبيعي مع معدل صافي الهجرة. وينبه إلى أن النسبة المئوية لا توفر دلالة كافية على النمو السكّاني ويورد أمثلة لذلك.

ثم يتناول الفصل النمو السكّاني في البلدان المتقدمة والتي استكملت انتقالها الديموغرافي، وفي البلدان النامية التي هي في مراحل مختلفة من الانتقال الديموغرافي، مدعما بجداول لمعدلات النمو الطبيعي لدول مختارة، والنمو الطبيعي حسب القارات، والنمو الطبيعي في العالم ككل. ويتمثل النمو السكّاني زيادة ونقصا في الولادات والخصوبة والوفيات، وهو ما يتناوله الفصلان السادس والسابع. فالولادات "هي العدد السنوي للمواليد الأحياء لدى مجموعة سكّانية معينة، أما الخصوبة فهي تعبر عن مدى نزعة السكّان للإنجاب".

ويشير المؤلف إلى انخفاض متوسط الخصوبة العالمي لعدة أسباب يفصّلها منها تسارع التحضر والمستوى التعليمي. أما ما يخص الوفيات فإن معدلاتها تختلف باختلاف البلدان، والمناطق، والأقاليم والقارات، وهي إجمالا مرتبطة بعمر السكّان وبمدى تطورهم الاقتصادي. ويرتبط بالوفيات عامل آخر مهم وهو أمل الحياة عند الولادة والذي يعرفه المؤلف بأنه "عدد السنوات التي يتوقع أن يعيشها مولود إذا ظل معدل الوفيات المسجل في سنة معينة لشريحة عمرية معينة على حاله حتى آخر حياة ذلك المولود".

وهو مقياس افتراضي ومؤشر جيد لكنه لا يعتبر معدلا على مستوى التنمية. وينتقل الكتاب بعد هذه البسطة حول النمو السكّاني إلى الحديث في الفصل الثامن عن جانب لصيق به وهو "الانتقال الديموغرافي" أو التحول الديموغرافي، وهو يعني "التحول التاريخي في معدلات الولادات والوفيات من مستويات عالية إلى مستويات منخفضة".

ويحلل الفصل مفهوم الانتقال الديموغرافي، ومدته، ويحدد له ثلاثة أطوار متمايزة. الطور الأول هو النظام "التقليدي" أو "الطبيعي" أو "البدائي"، وفيه يكون معدل الوفيات والولادات مرتفعا. والطور الثاني "مرحلة الانتقال"، ويشمل مرحلة الارتفاع وفيها تتراجع الوفيات، ومرحلة الانخفاض التي تتراجع فيها الولادات. أما الطور الثالث فهو "النظام العصري" أو "مرحلة النضج" أو " طور ما بعد الانتقال"، وفيه تصبح الوفيات والولادات ضعيفة.

ويخصص المؤلف الفصول التاسع والعاشر والحادي عشر لموضوع تركيب السكّان من حيث العمر والجنس، والسّكن، والنشاط الاقتصادي. وهي خصائص ديموغرافية مرتبطة بالخصائص الاجتماعية والاقتصادية، وعنصر مهم لرصد التمايزات بين المجموعات السكانية المختلفة. ويوضح الفصل التاسع مدى أهمية "شباب" أو "هرم" الشعوب وانعكاساتها الاقتصادية والتنموية، ونسبة الإعالة الاقتصادية وتركيب السكان حسب الجنس.

أما الفصل العاشر فيركز على سكان الريف وسكان المدينة. ويعرف ما هو ريفي بالتضاد مع ما هو حضري. ويمثل سكان الأرياف حوالي 66% من مجموع سكان البلدان النامية، في حين يمثلون 25% فقط من مجموع سكان البلدان المتقدمة. أما سكان المدينة فإن نسبتهم في ارتفاع مطرد، وتشهد أفريقيا أعلى معدل للنمو الحضري في حين تمثل أمريكا اللاتينية أكثر المناطق النامية تحضرا.

ولتقييم النشاط الاقتصادي للسكان في الأرياف والمدن يستخدم المؤلف في الفصل الحادي عشر مفهوم "السكان النشيطون"، وهم "الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 سنة والذين يعملون أو يبحثون عن عمل"، ويستخدم مقياس معدل النشاط لتحديد مدى مساهتمه السكانية في الأنشطة الاقتصادية، ومقياس التشغيل غير الكامل الذي يكشف عن سوء استعمال القدرات الإنتاجية لدى السكان النشيطين، ويعرج على البطالة التي يعترف المؤلف بصعوبة تعريفها وصعوبة تقدير حجمها، إلا أنه يعتبرها مؤشرا مفيدا.

أما الأنشطة الاقتصادية التي يمارسها السكان فهي تنقسم إلى ثلاثة قطاعات كبرى يضم كل منها سلسلة من الأنشطة. يشمل القطاع الأول الأنشطة الزراعية والصيد، ويضم القطاع الثاني الأنشطة الاستخراجية والصناعية والبناء وإنتاج الكهرباء والغاز والمياه وتوزيعها، في حين يندرج تحت القطاع الثالث خليط من الأنشطة تتراوح بين البسيطة مثل الخدمات المنزلية، والمعقدة مثل البحث العلمي، مرورا بالأنشطة التجارية والمصرفية والفندقية والطبية والنقل والاتصالات.

وإلى جانب هذه القطاعات هناك القطاع غير المنظم الذي يشمل كل الأنشطة الاقتصادية التي تمارس خارج الأطر القانونية، وأهم ما يميزه كثرة المشتغلين في بيوتهم، والباعة المتجولون، والفلاحون بدون أرض يملكونها. وهذا القطاع يشغل حوالي 61% من الأيدي العاملة الحضرية في أفريقيا وما بين 40 % و 50% في آسيا وحوالي 25% في أمريكا اللاتينية.

ويعود نمو هذا القطاع أساسا إلى الأزمات الاقتصادية التي يشهدها العالم وأزمة مديونية البلدان النامية، والنمو المنقوص، وسياسات "تحرير" الاقتصاد. وتمثل النساء الأكثرية من الأيدي العاملة في القطاع غير المنظم. ولا يكتمل الحديث عن تركيب السكان ونشاطهم الاقتصادي دون معالجة قضية غاية في الحساسية والخطورة والأهمية ألا وهي قضية الهجرة والتي يخصص لها المؤلف الفصل الثاني عشر من الكتاب. ويحدد الفصل – بعد إبراز أهمية فهم الهجرة ومقاربتها في مختلف أبعادها – أصناف الهجرة إلى: دائمة، ووقتية، ويتناول الهجرة الدولية إلى العالم الجديد منذ القرن السادس عشر حتى القرن العشرين، والهجرة الدولية للعمل منذ الحرب العالمية الثانية، والهجرة وعلاقتها بالعولمة، والتحول من الهجرة القانونية إلى الهجرة غير القانونية.

وهذه الأخيرة تندرج في إطارها الهجرة السرية ، والمتاجرة بالبشر. كما يطرح مشكلة اللاجئين، وانعكاسات الهجرة الدولية وما تحدثه من تغييرات في العلاقات الاجتماعية وفي إعادة صياغة جغرافية العالم المعاصر. ويخصص المؤلف الفصل الثالث عشر لمسألة التنمية البشرية، ويورد تعريف برنامج الأمم الإنمائي للتنمية البشرية، ويحدد لها مضمونين أساسيين هما تشكيل القدرات البشرية، وانتفاع الناس بقدراتهم المكتسبة. ويتتبع المؤلف تطور التنمية البشرية وارتباطها بمسألة الرفاه الاجتماعي، ثم التعليم والتدريب، وإشباع الحاجات الأساسية وصولا إلى مضمونيه المنوه عنهما.

ويورد المؤلف الأهداف الثمانية "لإعلان الألفية" الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة عام 2000، وهي الأهداف التي يلزم تحقيقها بحلول عام 2015 من أجل التقدم بالتنمية البشرية. كما يشير بالتفصيل إلى دليل التنمية البشرية الذي وضعته الأمم المتحدة أيضا والمتمثل في مكوناته الثلاثة: الصحة والتعليم والدخل، والتي انضافت إليها ثلاثة مكونات أخرى هي دليل الفقر البشري، ودليل التنمية البشرية حسب الجنس، ودليل مشاركة المرأة. ويختتم هذا الكتاب القيم بالفصل الرابع عشر المخصص للسياسات السكانية. ويبدأ الفصل بتحديد المقصود بالسياسات السكانية، والتمييز بين السياسات السكانية "المعلنة" والأخرى "غير المعلنة".

ورغم اختلاف السياسات السكانية فإن جميعها يتفق على تخفيض الخصوبة. ويورد المؤلف تجارب بعض الدول في هذا المضمار وهي الصين، والهند، وإندونيسيا، وتونس. ثم يعرج على المؤتمرات الدولية التي نظمت حول السكان خلال القرن العشرين ابتداء من اجتماع لخبراء في الديموغرافيا بروما سنة 1954 وحتى المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي انعقد بالقاهرة سنة 1994، مرورا بمؤتمر بلغراد سنة 1965 ومؤتمر بوخارست سنة 1974 وهو أول مؤتمر سكاني تحت رعاية الأمم المتحدة، ومؤتمر نيومكسيكو سنة 1984.