الاحتفاء والاحتفال بالمولد النبوي

صورة مصطفى الحسن
أجد حرجا في نقد أفكار يعاني أصحابها أصلا من التهميش، فسيكون نقدي كأنه تكريس لتهميشهم، وليس شيئا أبغض إلى نفسي من (السلطة) بكل أنواعها، لكن ما أجده يشفع لي أن نقدي للفكر السائد دائم وهو الأبرز في كتاباتي، لذلك قد يغفر لي هذا أن تكون ثمة مقالة أدفع فيها الرأي بالرأي.

لن أتحدث في هذه المقالة عن مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي، وإنما عن زاوية النظر لهذا الموضوع التي يحار فيها الباحث، ويبدو أنه في بعض القضايا لا يمكنك النظر إلى الموضوع من زاويتين في وقت واحد، لأن كل زاوية ستقودك إلى حكم مختلف، وستؤدي بالتالي إلى اعتبار هذا الأمر إيجابيا أو سلبيا.

حين أنظر إلى موضوع المولد من جهة كوني باحث في التجديد الديني، وحريص على تلمس المعنى في كل فعل ديني، سأرى أن تضخم الدين ليس في صالحه دائما، بل إن الأولى هو الاقتصار في العبادات على ما ورد وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم دون تأويل، ومن طبيعة الناس أنها تنزع نحو تضخيم الأفعال الدينية، حتى يصبغون كل حياتهم بأسماء دينية، وهذا لا يعني بالضرورة زيادة الإيمان، ولا التأثير الإيجابي على التقوى، أو الصلة بالله ولا برسوله، بل في كثير من الأحيان يؤدي إلى العكس من ذلك، ويتفاقم الأمر حين يتلاقى ذلك مع مصلحة المؤسسات والتيارات الدينية.

كثير من الأفعال تكون مليئة ومفعمة بالمعنى في بداياتها، فربما حين تكون وحدك وتستشعر أن هذه الليلة هي التي ولد فيها سيد الخلق علي الصلاة والسلام، وتستشعر القيمة المعنوية لهذا المنعطف، والذي هو في حقيقته أعظم من كونه (منعطفا) في التاريخ، بل ربما يستحق أن نصفه بـ (ماقبل) المولد، و (ما بعد) المولد، ولا أتحدث هنا عن جانب النبوة، وإنما الجانب الإنساني، حيث ولد أكمل البشر عليه الصلاة والسلام، حين يرد في ذهنك كل ذلك، قد تحدث به من حولك، وقد تكون تلك الليلة مفعمة بالحب، وذكرى تترسخ في الذهن، وعلامة على قوة صلتك بالنبي عليه الصلاة والسلام، كل هذا أسميه هنا بـ (العثور على المعنى)، حيث يجيء بعد تراكم من الأفكار المتفرقة، تكتمل في لحظة ما، بسبب فكرة جامعة، أو حالة صفاء أو فناء عن الزمان والمكان، يستحق أن نصفه بـ (العثور)، حيث العثور في اللغة تعني السقوط على الشيء كالتعثر، بعد طول بحث.

لكن ما يحدث بعد ذلك، أي بعد تقنين هذه العملية، كأن تقرر أن تجلس في كل سنة في هذا الزمان والمكان، وتجتمع على الهيئة نفسها التي كنت عليها، لتصل إلى ذلك المعنى الذي وصلت إليه، وتعيش تلك الحالة الاستثنائية التي كنت عليها، بل وتحاول أن توصل هذا المعنى إلى أناس معك، الواقع أن ما يحدث هو فشل هذه العملية، وتتحول تلك اللحظة الفارقة في حياتك، إلى طقس روتيني متكرر، وكلما فشلت قمت بمراجعة شاملة، وبدلا من أن تدرك طبيعة الأشياء، حيث أن لكل (معنى) زمانه ومكانه، تقوم بتضخيم الموضوع أكثر، وبإجهاد نفسك ومن معك بشكل أكبر، وكأن الإجهاد والتضخيم هو السر في هذا الموضوع.

لا يتعلق هذا بالمولد النبوي وحده، بل بكثير من الأمور المتعلقة بالمعاني في حياتنا، قد تسافر إلى بلد ما، في سياق معين من حياتك، تتعرف على عدد قليل من الأصدقاء، تتحدث إليهم حديث الغرباء العابر، تجلس على مقهى متواضع، تبثون فيه قدرا من الأسئلة والأجوبة لا يحتملها لا الزمان ولا المكان، تحفر تلك الدقائق الخمس في ذاكرتك وتشتغل في نفسك، كما لم تشتغله عشرات بل ربما مئات الأيام، لكنك حين تقرر العودة إلى المكان ذاته بعد زمن، وربما تحاول جمع الأصدقاء نفسهم، لا تجد ذلك المعنى الذي وجدته، لأن المعطيات اليوم اختلفت بالنسبة لك، كما اختلفت بالنسبة لهم.

من هذه الزاوية أجد أن الاحتفال بالمولد النبوي تضخيم للدين، ومأسسة له، وتحويل تجربة روحية فردية إلى طقس جماعي، ومن عادة الطقوس الجماعية أنها تفقد روح الفعل الأول، وقيمة الفعل في العثور عليه، وليس في اتباعه.

الزاوية الأخرى والتي سأتحدث عنها باقتضاب، هي النظر إلى المولد النبوي في تشكيله لهوية الأمة الإسلامية، بوصفه عملا جماعيا، والأمة تعبر عن نفسها وتتعرف عليها من خلال الأعمال الجماعية الممتدة في التاريخ، وهذا الفعل الجماعي له دور إيجابي في تماسك أعضائها، وهم يعبرون عن تضامنهم، وعن روح وحدتهم بشكل غير مباشر، حين أنظر إلى أن (المولد) مكوّن من مكوّنات العقلية الإسلامية عبر التاريخ في دول كثيرة، أجد من الصعب جدا تجاهل كل ذلك.

في موقفي أجد الجانب الأول هو الأهم، وغني عن القول أني أدفع الرأي بالرأي، ومؤمن أشد الإيمان بحق كل إنسان أن يمارس دينه وفق ما يعتقد، بل أجد من الضرر بالدين نفسه منع أو إجبار أي إنسان على فعل ديني ما.

ملف النهضة: