حيرة سؤال القدر

صورة د.جاسم سلطان

القدر سؤال مُحيّر، اختلف فيه الناس بحسب ما قرأوه من نصوص، فمال بعضهم للجبر، ومال بعضهم للتخيير.  والسؤال الذي يطرحه العقل: إن كان كل شيء مكتوب أزلا،  لا يتغير ولا يتبدل، فما قيمة العمل وقد صُممنا لدخول النار أو الجنة ابتداءً ؟

ويبدأ الإنسان في الاستنتاج ليسأل: لماذا الرسالات ؟ ولماذا الرسل ؟ وعلى ماذا الحساب؟ وما قيمة الجهد في الدنيا؟

وحين يُجاب عليه: ولكنك لا تعلم من أي الفريقين أنت؟ فاعمل لعلك تكون من الفريق الناجي.

 يُجيب: ما قيمة أن أعلم أو لا أعلم، فالنتيجة مُقررة سلفا لا يُغير فيها عمل؟

تلك حيرة الإنسان أمام موضوع القدر!

والسؤال هنا: هل يمكن إيجاد نظرية توازن بين مدلولات النصوص وتريح العقل من بعض أسئلته ؟ ولماذا نحتاجها؟

إن فاعلية الإنسان في الأرض مرتبطة بشعوره بقيمة العمل الذي يقوم به، ولو انفكت العلاقة بين الجهد والنتيجة، فشعر الإنسان أن جهده وإتقانه لا علاقة له بالنتيجة لاختل نظام الكون وفسدت الأرض، فعندها يكفي أي نوع من العمل، بل ربما جاز التوقف عن العمل كلية، فكل شيء سيحدث لأنه مُقدّر له أن يحدث!

مقدمة النظرية:

الواضح البيّن:

الناظر لكل القرآن دون الدخول في التفصيلات، سيجد أن مراد الشارع تذكير الإنسان بثلاثة أشياء كبيرة تُشكّل مرتكزات طاولة الفعل الإنساني إن جاز التعبير، وهي: (من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا) :

  • الله الواحد.
  • اليوم الآخر الذي تُحسب فيه الأعمال.
  • العمل الصالح في الدنيا مُحسوب بدقة.

ولبيان ذلك وتفصيله جاء الأنبياء وتحمّلوا المشاق، وحمّلوا الإنسان مسئولياته عن أفعاله، وجُعلت الجنة والنار عاقبة لاختيارات الإنسان (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا)، ذلك أساس الدين وأساس عمل المؤمن في الحياة (ليبلوكم ايكم احسن عملا) فهو في سباق حول أحسن العمل.

لماذا تم الانحراف عن هذا الفهم المباشر الواضح إلى مناطق الاشتباه والحيرة ؟

لننظر للنصوص ونقسمها قسمان كبيران، سنُطلق عليهما (الجبريات والاختياريات) ثم نحاورهما مُجتمعات:

                      الجبريات                               

 الإراديات

(وكل كبير وصغير مستتطر)

ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك

(كل من عند الله) النساء 78

فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر

قل هو من عند أنفسكم

(من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل..)

فلما زغوا أزاغ الله قلوبهم

(وما تشاءون إلا أن يشاء الله ..)

والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا

(قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) قيل في اللوح

سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار

 

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملئن جهنم من الجنة والناس أجمعين

ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب

 

 

يضاف على ذلك أسئلة مثل:

  • ما أثر الدعاء؟
  • ما دور المعجزات وخوارق العادات ؟

فكيف نفهم كل ذلك  لو أردنا وضع ذلك في نظرية مُحتملة؟

النظرية المُحتملة :

المقصود بالقدر: هو النظام الكوني الذي أراده الله للكون وضبطه به، فهو قد وضع لحدوث أي أمر قدرا من العوامل التي لا يتم إلا بها، وهذه العوامل تختلف من حال إلى حال، ولكنها ثابتة المقادير من حيث لزوم اجتماعها في ذلك الفعل لذلك الإنسان.

وسنقول أن هناك قدرا أُعطي لكل شيء في حدوث الأمور في الكون:

  1. نظام كوني هو أساس حركة الأشياء، وحدوثها هو أصل العمل كما وضعته الإرادة الإلهية (عادة مُطردة) ما لم يخرقها استثناء من الله.
  2. إرادة الله المُطلقة للتدخل متى شاء وكيفما شاء، يمكن بها خرق العادة.
  3. الكون وظواهره ومعطياته.
  4. الإنسان وإرادته الحرّة.
  5. الدعاء ودوره في ذلك الحدث إن كان من ضمن شروطه.

فلو درس أحمد للامتحان بطريقة ممتازة،  فذلك ما يتحكم فيه من العوامل، وما هو مسئول عنه، وما يحاسب يوم القيامة عليه. أما الباقي فهو خارج دائرة تحكمه، فالإنسان ليس مُخيّرا في كل شيء، وليس مسيّرا في كل شيء، ولكن حدود مسئوليته تقف عند حدود ما أُعطي من صلاحية وقرار وفق مشيئة الله العليا التي نظمت الكون.

 

 وعلى ذلك يتخرج فهم النصوص الجبرية:

(وكل كبير وصغير مستتطر) القمر 51-53

يعني أن كل النظام الكوني تم وضعه بإحكام وفق مقادير وكميات منضبطة.

(كل من عند الله) النساء 78

يعني كل هذا النظام الكوني من صنع العليم القدير.

(من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل..)

تفهم في ضوء (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)  أي أن من بذل الجهد للوصول الى الله هداه الله إليه هداية عون.

(وما تشاءون إلا أن يشاء الله ..)

تعني لم يكن لكم اختيار ومشيئة إلا بأن اعطاكم الله حق الاختيار وبالقدر الذي شاء.

(قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)

أي وفق القوانين التي نظم بها الكون.

(ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملئن جهنم من الجنة والناس أجمعين)

تعني ولكننا لم نشأ أن نُجبر الناس على الهداية بل تركناهم مختارين فيكون البعض باختيارهم في الجنة والآخرين في النار بسوء اختيارهم.

 

أما أثر الدعاء:

فقد قلنا أنه أُعطي قدرا من الأثر في عمل ما، لشخص ما، في وضع ما، فإن توفرت المقادير اللازمة اُستجيب له، وإلا أُجل أثره.

ما أثر خوارق العادات؟

قلنا أن إرادة الله المُستقلة قائمة لا تحول ولا تزول، فهو من نظّم الكون، وهو من ألزم نفسه بأشياء كتحريم الظلم على نفسه فلا راد لأمره.

الخلاصة:

  • أمام الإنسان أن يلتزم بما هو واضح بيّن في القرآن من نصوص لا تترك مجالا للشك، أن الموازين ستوضع لأعمال الإنسان وعليها سيحاسب .
  • أو أن يوفق بين النصوص، فيزيل التعارض بينها لينتهي لفاعلية الإنسان ودوره.
  • أو أن يضرب عرض الحائط بما هو بيّن وواضح، ويضرب النصوص ببعضها البعض فيشل فاعلية الإنسان.
ملف النهضة: