سؤال الصراع..مصالح أم ايدولوجيا؟

صورة د.إبراهيم الديب

جدل فكرى كبير وحراك دموي ساخن على الأرض ، في الفهم والتصور أن ما يحدث في المنطقة العربية  خاصة العراق وسوريا ومصر  هو صراع ديني ايدلوجى بحت ، والفريق الآخر يراه صراعا سياسيا على السلطة، ويخضع لحسابات المكاسب والخسائر والفرص والتحديات وليس صراعا على الهوية والدين.

بطبيعة الحال لكل فرد تكوينه الايدولوجي الذي يحكم طريقة تفكيره وفهمه، وبناء تصوره وقراراته، وعلاقاته مع العالم من حوله، وهذا أمر ثابت لا شك فيه,

وقديما كانت الحياة سهلة وبسيطة وغير معقدة ، فكانت تدار الصراعات على أساس واعتبارات المصالح الاقتصادية والسياسة ، وربما تقف في الخلف وأعماق النفوس بعض الاعتبارات الأيدلوجية ولكنها لم تكن ذات التأثر البالغ في صنع قرار الصراع  إلى أن جاء الإسلام  كدين عالمي جديد قدم نفسه من بوابة القناعة والقبول والرضا لا من بوابة الصدام والصراع ، وإذا ما أعلن الآخر الرفض وفرض الصدام كان الصدام والصراع فقط عند حدود ــ خلوا بيني وبين الناس  ــ حتى يصلهم الإسلام فإن قبلوه قبلوه ، وإن رفضوا رفضوا ، ولهم كل الحرية في الاختيار وممارسة حياتهم على نفس النحو السابق من دون إكراه ولا تكدير.

أما الآن ومع تطور وتداخل وتعقد المصالح الاقتصادية والسياسية ، عظم من دور المصالح في إدارة الصراعات ،فقد تعقد الأمر أكثر وأكثر ، وربما خفت دور الايدولوجيا أكثر مما كان عليه قبل ذلك في العصور القديمة.

وخاصة بعد تمكن وانتشار الإسلام في الأرض هذه واحدة ، والثانية سهولة وصول الاسلامى إلى كل غرفة من الغرف الخاصة في المعمورة الأرضية عبر تقنيات الاتصال الحديثة  ، ناهيك عن تطور العقل البشرى ونضوجه وحاجته إلى أساليب دعوية غير تقليدية تختلف عما كانت عليه في العصور القديمة ، واحسب أكثرها تأثيرا في عصرنا الحالي ،  هو أثر هذا الدين على أصحابه ومدى نموهم وتفوقهم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي ، وأن تصل منتجاتهم إلى كل بيوت البشر فى العالم لتحمل معها رسالة الإتقان والجودة والتميز لمنتجاتهم ، ومن ثم عقولهم وأفكارهم ومعتقداتهم التي أنتجت هذه المنتجات ، وذلك هو الكفيل في دخول الناس إلى دين الله أفواجا.

والحمد لله تعالى أنه ليس لليابانيين دين وإلا لجذب ملايين البشر للدخول فيه وصولا إلى ما وصلوا إليه .

كما أن غياب التجديد الفكري لمفاهيم وقيم وثوابت الدين ، أضاف على ما بات يعرف بالتنظيمات الإسلامية  قيدا جديدا على مناهج  تفكيرهم وتصوراتهم ورؤيتهم للعالم  من حولهم بلغ بهم إعلان الصدام والصراع والتحدي مع من يمنحهم السلاح والعتاد والغذاء والدواء  ، بمعنى أنه ليس صراع فاقد الأدوات مع مالكها فقط ، بل الصراع مع منتج ومانح أدوات الصراع نفسها ! ؟

 وأتخيل لو كان باب التجديد الفقهي والفكري مازال مفتوحا منذ آخر أيام العباسيين وحتى الآن لربما كان لدينا فكرا وتصورا معاصرا للإسلام وكنا أمام احد نموذجين:

ــ النموذج الأول التميز والسبق الحضاري الاسلامي الذي يقدم نموذجا متفردا في التربية والإعلام والاقتصاد والسياسة ...الخ ، والذي يجعل دوله دولا قوية تحتل مكانة مرموقة في عالم اليوم ، على الأقل أن تشكل نصف الدول الثمانية الكبار في العالم.

في هذه الحالة أتخيل خفوت حدة الصراع الايدولوجي وربما غيابه ، وتحوله إلى تنافس حضاري ، وإن شئت فقل صراع السبق العلمي والتطبيق التكنولوجي والإنتاج المادي الذي  تؤطره المصالح الاقتصادية والسياسية.

ــ النموذج الثاني مشاركة المسلمين للناتج الحضاري المستمر للعالم مما يكسبهم احترام وتقدير  العالم لهم ، وخاصة عندما تتعاظم حاجته لجهودهم وإنتاجهم الحضاري المستمر بنظرياته  التربوية والإعلامية والاقتصادية والسياسية خاصة حينما يشارك بفاعلية في تقديم نماذج حضارية معاصرة فى كافة مجالات الحياة ، عبر الاستيعاب الجيد  لما بلغه الفكر الانسانى الحديث وتطعيمه وتطويره  بالفكر الحضاري المعاصر الذي يقدمه العرب والمسلمون  لإدارة عجلة الاقتصاد والسياسة المعاصرة .

حينئذ لم نكن لنتعرض لما نتعرض له الآن من سؤال الصراع ، وهل يؤسس  الصراع على الايدولوجيا أم المصالح.

وليكن سؤال الحاضر والمستقبل هو سؤال التنافس الحضاري لتطوير كافة مجالات الحياة لخدمة الإنسان كل الإنسان ، ولتتحرك قوانين الاقتصاد والسياسية لتدير عجلة الحياة.

وينفرد كل فريق بالمحافظة على هويته وتعزيزها كما يشاء .

ومن ثم لم يعد من أبجديات الحكمة تقديم وإعلان الايدولوجيا أساسا وعنوانا للصراع ، فغالبا ما تقيد وتفقد أصحابها الكثير والكثير قبل بداية الصراع ذاته، فما بالك أثناء الصراع .

احسب أن من يصوره صراعا دينيا على الهوية والدين كمن يضع رأسه في الرمال هروبا من الحقيقة.

المشروع الإيراني مشروع سياسي بامتياز يمتطي جواد التشيع ليصل إلى أهدافه في استعاده امبروطوريته القديمة ، والمشروع الصهيوني سياسي بامتياز يمتطى جواد اليهودية ليحقق أهدافه السياسية بدولة قوية في المنطقة تؤمن لليهود حياة أفضل وتؤمن للغرب شرطي للمنطقة يحفظ لها مصالحها في المنطقة العربية، أما نحن العرب فلا مشروع لنا وصنعنا لأنفسنا جوادا خشبيا من أخشاب التراث العتيق كتبنا عليه يافطة  الإسلام ونريد أن نمتطيه لنصارع به العالم  ونستعيد مجدنا التليد ، يال عبقريتنا !! ويال تعجب وسخرية العالم منا.