الله بين الرحمة والعقاب!

صورة يحيى السيد أبو مسامح

كثيراً ما نخلط في أذهاننا بين الله الرحمن الرحيم والله المنتقم شديد العقاب ..!
كما أخبرنا الله عنه فرحمته سبقت عذابه وحلمه سبق غضبه, ونعمه أفضت على عباده, فماذا يعني شديد العقاب؟!
يقول الله "أليس في جهنم مثوىً للمتكبرين", "ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين"
فالله لا يضره أن يؤمن الناس به أو يكفروا ..!
فلو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك من ملكي شيئا، ولو كان أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا.

ولكنه ينتقم لمن ينتهك محارم الإنسان, من يتعدى على إنسانه في الأرض, من يظلم ويتكبر ويفجر في هذه الأرض.
فالأرض جعلها الله "وتلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً"

الإيمان بالله يمر عبر الإنسان والكفر بالله هو الكفر بالإنسان.
قل سيروا في كتاب الله وانظروا كيف سطّر الله قصص الطغاة الظالمين ولم يقص علينا قصص العصاة والمذنبين.

أبو لهب وامرأته آذوا إنساناً في أرض الله فكانت ذكراه السيئة "تبت يدا أبي لهب وتب, ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب, وامرأته حمالة الحطب, في جيدها حبل من مسد"
ولم يذكر الله سيرة من لم يؤمن بمحمد ولزم بيته ولم يتجاوز جحده ذاته ..!

وفرعون لم ينل القسط الكبير من القصص القرآني لأنه كان لا يؤمن بإله السموات والأرض, فكثيراً في قومه كانوا كافرين بالله, ولكن نصّب نفسه إلهاً يُعبد من دون الله وجعل الناس عبيداً له يعبدونه بقوة السيف ويُقتّل أبناءهم ويستحيي نسائهم, فكان لعنة الله عليه إلى يوم الدين..!

وعبدالله بن أبي بن سلول لم يكن كغيره من المنافقين الذين أبطنوا كُفرهم وأعلنوا إسلامهم, ولكنه ذهب ليشيع الفاحشة بين المسلمين وينتهك أعراض أمهات المسلمين, فتجاوز ظلمه لنفسه أن يظلم عباد الله في الأرض, فكانت قصته تُتلى إلى يوم الدين ..!

فالله شديد العقاب لفئة محدودة ظالمة متكبرة في الأرض, فقال "أليس في جهنم مثوىً للمتكبرين " ولم يقل مثوىً للمستمعين الأغاني أو المصافحين النساء أو المتنمصين والمتنمصات ..!

كل الأمم الغابرة قُسمت من بعد قوة وأصبحت آيات للسائلين, لأنها كفرت بأنعم الله "العدل والسلام والأمن والحرية"
وطغت وتجبرت وتفرعنت في الأرض (وتلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً),
وليس لأنها لم تؤمن بالله وتُطبق شرعه (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً) ..!

"قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين"
التاريخ يُخبرنا, مَن كذب برسالة الرحمة ودعوة العدل وشريعة السلام, حتى لو كان موحداً لله لا يعبد غيره, أصبح أثراً بعد عين ..!

ولكم في الاتحاد السوفيتي لعبرة .. فقد كذب برسالة الرحمة ولم يؤمن بالعدل ونشر القتل في البلاد, فأصبح أطلالاً بعد أن كان رواسي شامخات ..!!

والامبراطورية العباسية لم تحتار يوماً أين ستمطر سحابة المطر وكان عظيمها يُخاطب السحابة ويقول "امطري حيث شئت فإن خراجك آتٍ إلي" والآن أين هي تلك الامبراطورية ..؟!
ولكم في بلاد السويد لآية .. فقدت صدقت بالرحمة وأقامت العدل ونشرت السلام, فأمدها لله بالأمن والعون, وفتح عليها بركات من السموات والأرض ورزق أهلها من الثمرات, تلك الدولة التي صدقت فأحسنت صدقها لم نسمع عن حربٍ في بلادها منذ أكثر من مئة وخمسين عاماً ..!
وقد صدق بن تيمية عندما قال: "الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة, ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة"
وعند الأصوليين, أينما كان العدل فثمة شرع الله ..!
وعندما ندرك قول الله "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"
سنعلم أن الله يعطي على الرفق ما الا يعطي على العنف, فلا عدل "قسط" مع العنف ولا ظلم مع اللاعنف ..!

إذا أدركنا هذا سنعلم أن الله رحمن رحيم لكل العالمين وشديد العقاب لفئة نشاز عن فطرة الإنسان "المتكبرين والظالمين"
ألم تقرأوا فاتحة القرآن "بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين"

والعاقبة ستكون, سلامٌ على عباده الذين اصطفى, الآمرين بالقسط والداعين إلى السلام ..!!

ملف النهضة: