3 أسباب وراء نجاح ماليزيا

صورة ياسر الغرباوي

يرجع نجاح ماليزيا فى تقديم نموذج حضاري متقدم فى إدارة التنوع والإختلاف العرقي والدينى بين مكونات الإجتماعية الوطنية إلى ثلاثة عوامل متداخلة هى:

أولاً: الجغرافية البحرية : بحكم دراستى للجغرافيا وادراكى لأهميتها وتأثيرها فى السلوك الانساني

  نظرت إلى خريطة دولة ماليزيا فوجدتها دولة بحرية بإمتياز مكونة من 13 ولاية وثلاثة أقاليم اتحادية، بمساحة كلية تبلغ 329,845 كم2 يصل تعداد السكان إلى أكثر من 30 مليون نسمة، وأراضيها مكونة من جزئين: الجزء الأول هو شبه جزيرة ماليزيا التي تقع جنوب تايلاند وشمال سنغافورة وشرق جزيرة سومطرة الإندونيسية، والجزء الثاني هو ماليزيا الشرقية التي تقع في جزيرة بورنيو؛ وتشترك فيها ماليزيا حدودياً مع إندونيسيا وبروناي، فهذه الجغرافية الساحلية كان لها انعكاس نفسى إيجابي على سيكولوجية المواطنين الماليزيين فحققت لهم قدر عالى من الاستقلالية والحرية والإنفتاح على العالم مما زاد من قدرة السكان النفسية على استيعاب الأخر المخالف، فماليزيا كدولة معبر بين قوى جغرافية واقليمية كبري مثل الصين واليابان والهند،  استقبلت هجرات بشرية قديمة من الصين والهند وغيرهما جاءوا بأديانهم وعقائدهم واستقروا بها واندمجوا مع شعبها المتسامح ورحب بهم الماليزيون الأصليون؛ فالسواحل المفتوحة المحيطة بكل أرجاء ماليزيا جعلتها مفتوحة على جغرافيا الإقليم المحيط بها على المستوي الديمغرافي والجيوثقافي

ثانيا : الأغلبية المتسامحة :

أغلبية الشعب الماليزي ينتمي إلى عرقية المالايا وهم بالأساس مزارعين يعملون فى جنى المطاط الطبيعي وزراعة الأرز، فجاءهم الإسلام فتحولوا له بشكل تدريجى وهادىء وبطيء، فالإسلام  وصلهم بدون معارك ولا جيوش ولا عراك عن طريق قوافل التجار المسلمين الذين قدموا  نموذجا أخلاقيا جذابا للشعب المالايا ولسلاطينه الحاكمين فدخلوا فى دين الله أفواجا.

 وأما عن كيفية وصل الإسلام لماليزيا فلها ثلاثة روايات مختلفة فهناك من يرى أن الإسلام وصلهم عبر التجار العرب اليمنيين، وفريق أخر أخر يرى أن الإسلام وصلهم  من الهند وهناك رأى أخير يعتبر أن الإسلام قدم إليهم عن طريق مسلمي الصين، والقاسم المُشترك بين كل هذه المدارس التاريخية أن الإسلام تسرب بخفاءً بالغ، وتمتد بهدوء رصين، ولم يحدث عراكا ولا اشتباكاً، ولا توترا بين مكونات المجتمع الماليزي، وهذا كون ذاكرة تاريخية تسامحية للأغلبية المسلمة فى ماليزيا تجاه الأخر المخالف، ويضاف لذلك أن نمط التدين الماليزي صوفي قائم على أولوية التزكية الشخصية والتسامح مع الأخرين، فوصول الإسلام إلى سواحل  الملايو بهذه الطريقة السلمية وبهذا النمط الصوفى شكل دفعة معرفية قوية ساهمت فى ترسيخ قيم التسامح وقبول الأخر هناك .

الشباب الواعي:

 وقد انعكس تسامح الأغلبية على سيكولوجية الشباب الماليزي الذين يُشكلون قرابة 70% من إجمالي عدد السكان هناك، فالشباب الماليزي( المسلم والهندوسي والسيخي والمسيحى) إلخ.. من الفئات والجماعات العرقية المتنوعة قد ورث هذه الروح المتسامحة والمتعاونة؛ فهم يعملون سويا وبدرجة عالية من التنسيق والتوافق بعيداً عن إثارة القضايا العرقية والطائفية، فالشباب منهمك فى الحركة نحو المستقبل، وهدفهم الجامع  شعاره هو"ماليزيا الموحدة"، ومقصدهم الأهم هو تطبيق خطة ماليزيا 2020 بكل عزيمة وإصرار واجتهاد.

ثالثا: الأقليات العاقلة :

وجود الأقليات العرقية وسط شعب الملايو لها أسباب متنوعة من أبرزها هو جلب الاحتلال الإنجليزي لها للعمل فى المزارع والمصانع، ونتج عن ذلك وبعد انتهاء الاحتلال البربطاني واليابانى لماليزيا أن أصبحت هناك أقليات هندية وصينية مستقرة داخل ماليزيا مُسيطرة مفاصل الإقتصاد وعلى قطاع الخدمات وأصبحت الأغلبية المالاوية  تحت خط الفقر وتعانى من الجهل وانتشار الأمراض !!!.

 ولكن بعدما قامت سلطة مركزية سياسية فى ماليزيا تم الإتفاق بين كل الجماعات العرقية المختلفة على العيش سويا دون تمييز أواقصاء ولكن وفق شرط واحد آلا وهو هو إقرار ما يُعرف "بالتمييز الإيجابي" لشعب المالايا والذى يقضي بأولوية تقديم الخدمات التعليمية والخدمية والصحية والإبتعاث للخارج للتعلم والدراسة لأفراد أغلبية المالايا الفقراء، وقد قبلت بذلك الأقلية الهندية والصينية من أجل نزع فتيل التوتر والاحتقان الآهلى فوجود طبقة بالغة الثراء الإقتصادي وبجوارها شريحة اجتماعية هندية مهيمنة على قطاع الخدمات وسط أمواج متلاطمة من الفقراء المالايا السكان الأصليين للبلاد لن يعود بالإستقرار والتنمية على البلاد والعباد ،ولذلك انحازت الأقليات لهذا الخيار وهو رفع الظلم الإقتصادي عن شعب المالايا حتى يقف على قدمه ويشارك المكونات الأخري فى مسار النهضة والإستقرار والتنمية.

 وقد ساهمت القيادة الحكيمة والمُتمثلة فى الدكتور/ مهاتير محمد رئيس الوزراء السابق فى دقة تطبيق هذا العقد الإجتماعي الجديد للشعب الماليزي، ومن خلال خبرة مهاتير السياسية وحكمة فريقه الميدانية  تحقق لهم النجاح فى تقديم نموذج حضاري رائع فى إدارة الإختلاف والتنوع قائم على التسامح والحوار وفتح قنوات النقاش والتواصل حول المظالم والتحديات الحقيقية للمكونات العرقية فى البلد، ومع تحقق النتائج الإقتصادية والإجتماعية المباشرة لتطبيق هذا العقد الإجتماعي الجديد القائم على تقديم التنازلات المتبادلة من الجميع زادت قناعة كل المكونات أن السبيل الوحيد لنهضة وتقدم ماليزيا هو التسامح والحوار ونسيان عذابات وجراحات الماضي والتعلق بالمستقبل الواعد القائم على العدالة والمساواة وتقديس الكرامة الإنسانية. 

مصادر المقال: 
http://www.masralarabia.com/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/211-%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D9%88%D9%89/451485-3-%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%AD-%D9%85%D8%
ملف النهضة: