حروب المؤمنين

صورة ياسر الغرباوي

هناك فكرة سائدة تقول" لو آمن الناس بالدين حقاً لإنتهت الصراعات فيما بينهم،ولتوقفت  الحروب الأهلية للأبد،ولساد السلام وعم الوئام فى العالم !!"؛ فهل فعلا الخبرة الإنسانية وتجارب الشعوب تؤكد هذه المقولة أم تنفيها؟؟ وهل المجتمعات المؤمنة والمتجانسة مذهبياً يسودها السلام والإستقرار؟ وهل الإيمان وحده هو الذى يصنع التسامح؟؟ وللإجابة على هذه التساؤلات سأصحابكم فى هذه الجولة التالية 

صفين الدامية

شكل استشهاد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه صدمة كبيرة للمسلمين، فانطلقت الأصوات تطالب بالثأر الفوري والعاجل من قتلة الخليفة عثمان، وكان على رأس هذا المُعسكر الصحابي معاوية بن أبى سفيان ،وفريق أخر كان يري التروي والإنتظار حتى يستقر الوضع السياسي بإختيار خليفة للمسلمين قادر على القصاص من القتله،وكان على رأس هذا الفريق سيدنا على بن أبى طالب ؛ ولذلك امتنع معاوية وأهل الشام عن بيعة سيدنا على، ورأوا أن يقتص علي من قتلة عثمان أولاً  ثم يدخلون فى البيعة، وقالوا: لا نبايع من يؤوى القتلة؛ ثم تطور الأمر بين الفريقين ووصل إلى  النزاع المسلح؛ وتجسد ذلك فى معركة صفين في الأوّل من صفر 37هـ،، والتى قُتل بها العديد من الصحابة الكرام وعلى رأسهم سيدنا عمار بن ياسر ،فيقول أحد المقاتلين فى صفين : اقتتلنا ثلاثة أيام وثلاث ليال حتى تكسرت الرماح، ونفدت السهام، ثم صرنا إلى المسايفة فاجتلدنا بها إلى نصف الليل حتى صرنا نعانق بعضنا بعضًا، ولما صارت السيوف كالمناجل تضاربنا بعمد الحديد، فلا تسمع إلاّ غمغمة وهمهمة القوم، ثم ترامينا بالحجارة وتحاثينا بالتراب وتعاضينا بالأسنان وتكادمنا بالأفواه إلى أن أصبحوا في يوم الجمعة وارتفعت الشمس وإن كانت لا ترى من غبار المعركة وسقطت الألوية والرايات.وقد وصف المؤرخ الشهير ابن كثير فى كتابه البداية والنهاية طبيعة القتال فى صفين وبالأخص فيما يُعرف بليلة الهرير ويوم الجمعة فقال : وتعاضوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما ليهمر على الآخر، ويهمر عليه، ثم يقومون فيقتتلان كما كانا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك، وصلى الناس الصبح إيماء وهم في القتال، حتى تضاحى النهار، وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام.

الكنيسة المُقاتلة

شهد تاريخ القارة الأوروبية سلسلة من الحروب الدينية  المعارك  التي حدثت في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلادي بعد ظهور حركة الإصلاح البروتستانتية، واستمرت الحروب الدينية بصورة متعاقبة لمدة مئة وواحد وثلاثين سنة بين عامي (1517 - 1648 م)، وجرت في سويسرا، فرنسا، ألمانيا، النمسا، بوهيميا، هولندا، إنكلترا، سكوتلندا، إيرلندا، والدنمارك، والسبب الرئيس فى كل هذه المعارك هو إعتقاد الكنيسة أنها هى وحدها التى تملك الإيمان الأصوب النقي الواجب الانقياد له دون غيره !!!؛ وقد حدثت فظائع إنسانية رهيبة جراء تلك الحروب ؛ فانتشرت المجاعات والأمراض وهلاك العديد من السكان ،و انخفض عدد سكان ألمانيا بمقدار 30 ٪ في المتوسط ؛ كما انخفض عدد سكان الأراضي التشيكية بمقدار الثلث. وحوصرت العاصمة الفرنسية باريس أياماً طويلة، وراح الباريسيون يأكلون لحم القطط والكلاب ويقتاتون بالعشب،، وانتشر النهم الجنسي عند الرجال، ووجدت الفواحش والصور العارية سوقاً رائجة، وأصبحت الجريمة مألوفة، وأفرخت هذه الجريمة السرقة والقتل، وانتشرت الفوضى في الشوارع، وانتشر الانتحار في تلك السنين.

التجارب المعاصرة :

أولاً: الاشتباك الكاثوليكي

في أبريل/نيسان 1994، وخلال فترة لا تتجاوز 100 يوم، قُتل ما يربو على 800.000 شخص فى رواند، وتعرضت مئات الآلاف من النساء للاغتصاب، عندما  شن  المتطرفون في جماعة الهوتو التي تمثل الأغلبية في رواندا حملة إبادة ضد الأقلية من توتسيي؛ حيث قتل الجيران جيرانهم كما قتل بعض الأزواج زوجاتهم المنتميات للتوتسي وقيل لهم إن رفضوا فسوف يُقتلون، وكانت بطاقات الهوية الشخصية في ذلك الوقت تتضمن تحديد الانتماء العرقي، ومن ثم أنشئت الميليشيات نقاط تفتيش في الطرق حيث كان يجري قتل التوتسي، كما احتجزت الآلاف من نساء التوتسي ثم تم اغتصابهن لاحقًا.وأنشأ متطرفو الهوتو محطات إذاعية وصحفًا تنشر الكراهية وتحث الناس على "التخلص من الصراصير"، أي قتل التوتسي.وكانت الإذاعة تبث أسماء الأشخاص الموجودين على قوائم القتل، حتى القساوسة والراهبات، شاركوا في قتل بعض ممن لجأ إلى الاختباء في الكنائس. وفى ختام هذه التجربة المؤلمة من المهم أن تعلم أن هناك قاسم مُشترك بين الهوتو والتوتسي وهو أنهم ينتمون جميعا للديانة المسيحية ويدنيون بالمذهب الكاثوليكي!!!!

ثانياً: تقاتل الشوافع

اندلعت الحرب الأهلية فى الصومال بعد الاطاحة بنظام سياد بري من السلطة يوم 26 يناير 1991،. فبعد نجاح انتفاضة حركات التمرد شمالا وجنوبا لأسقاط النظام العسكري للجنرال محمد سياد بري، فشلت جميع الجهود لأقامة حكومة دستورية في البلاد حيث أعلن الأقليم الشمالي انفصاله تحت مسمى (جمهورية أرض الصومال) ،ودخلت بقية الأقاليم والمحافظات في حرب أهلية مريرة. ونتج عن ذلك بطبيعة الحال كما شاهد العالم  العديد من المجاعات التى تقتل ألآف الأطفال والنساء كل فترة من الزمن ؛ونتج عن هذا الوضع السياسي البائس  أن تمددت  حركة ( الشباب المجاهدين )  وهى حركة تعتنق فكر القاعدة ؛ وتدعوا للمشاركة في (جهاد) ضد الحكومة الصومالية وحلفائها الصليبيين الإثيوبيين.وقد اغتلت هذه الحركة وزير الداخلية الصومالي السابق عمر حاشي أدن في 18 يونيو 2009 الذي قضى في التفجير داخل فندق ببلدة بلدوين وسط الصومال وقتل معه 30 شخصا على الأقل حيث أعلن متحدث باسم الحركة في مؤتمر صحفي تبني الحركة للهجوم ووصفها للوزير "بالمرتد الكافر" وفى نهاية الدرس الصومالى ينبغي أن تعرف أن الشعب الصومالي كله تقريباً مسلم سُني شافعي - نسبة إلى مذهب الشافعي رحمة الله -

ثالثاً: صراع المالكية

النزاع المسلح نشب في إقليم دار فور غربي السودان فى فبراير 2003  بين القوات الحكومية السودانية وقوات الجنجاويد التابعة لها من جهة و المجموعات المتمردة الدارفورية من جهه أخري، مثل حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة الذين تنحدر أصولهم على الأغلب من القبائل غير العربية في دارفور مثل الفور والزغاوة والمساليت. ونتج عن هذا الصراع المؤلم وفق الإحصاءات  المنظمات الدولية قرابة 200ألف دارفوري - على الأقل - لقوا حتفهم منذ اندلاع المعارك أما عدد الذين لجأوا للدول المجاورة - خاصة تشاد - فيبلغ عددهم 693ألفا، وأكثر من 800ألف هجروا من بيوتهم داخل الإقليم ويعيشون في ظروف عصيبة على المناطق الحدودية، ما يعنينا فى هذه التجربة أن نعلم أن طرفي الصراع من المسلمين السُنة المالكية_نسبة إلى مذهب مالك-، وأن إقليم دارفور من أكثر مناطق السودان من حيث انتشار خلاوي تحفيظ القرآن وأن القائد الدارفوي الدكتور /خليل إبراهيم والذى قُتل على يد القوات الحكومية كان أميراً للمجاهدين في فترة الحرب الأهلية بالجنوب التي اعلنت فيها حكومة البشير الجهاد على الجيش الشعبي والحركة الشعبية لتحرير السودان!!!

نتائج الجولة الفكرية

  • إشتراك الناس فى الإيمان والمذهب ليس عاصماً من الحروب الأهلية والصراعات
  • الإيمان بدون برامج تُدبر قضايا الإختلاف وفض النزاعات لن يوفر الإستقرار والسلام
  • فكرة أن الإيمان وحده هو القادر على انقاذ المجتمع من الاحتراب الأهلى هى دعوة للكسل والاستكانة، وعدم معالجة الأزمات بشكل جذري.
  • سؤال الظلم والتهميش والتمييز فى المجتمعات إجابته هى إقامة العدل وتحقيق المساواة وليس دعوة الناس إلى الهروب والتسليم تحت دعاوي الإيمان والخضوع للقدر.  
  • عندما يدعى مكون ديني امتلاكه للحقيقة المُطلقة دون الأخرين تبدأ الأزمات الطائفية
  • ليس صحيحاً أن المجتمعات المُتجانسة دينياً أكثر سلاماً من المجتمعات المتنوعة.
مصادر المقال: 
العربي الجديد
ملف النهضة: