كيف نؤسس للعملية النقدية؟(الحلقة 11)

صورة د.عبد الكريم بكار

من أهم ما ينبغي القيام به من أجل ذلك هو تأسيس العقلية النقدية وتغذيتها بالأفكار الواضحة على نحو مستمر، ومما يساعد على ذلك ما يلي:

  1. 1. الشعور بالمسؤولية: الشعور بالمسؤولية هو ذلك الشعور النبيل الذي يحول الصغير إلى كبير والهامشي إلى محوري، إنه فيزياء العظمة ، وما أجمل ما قول مارتن لوثر كبنج: "لست فقط محاسبا على ما تقول، أنت محاسب أيضا على ما لم تقل حيث كان لا بد لك أن تقول".
  2. 2. رؤية ما هو خارج المألوف: العاديون من الناس يرون كل شيئا عاديا، لان بنيتهم العقلية والمعرفية هشة وضحلة ، ولهذا فإنهم لا يفرقون بين ما هو متفوق وما هو عادي، وبين ما هو طبيعي وما هو غير طبعي، وهم لذلك محرمون من الشعور بالدهشة الذي يتمتع به المبدعون والمثقفون الكبار.

  3. 3.فن التساؤل: إن طرح الأسئلة حول أي شيء نريد فهمه ونقده ، يشكل أداة نقدية مهمة للغاية، لأننا من خلال الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها نمتلك نوعا من الإحاطة الشاملة بكل جوانب المسألة أو القضية أو النص الذي نود نقده.
  4. 4. السعي إلى الوضوح: السعي إلى الوضوح والحرص عليه وسلوك كل السبل المؤدية إليه ، هو دأب كل المفكرين ، وذلك لأنهم يشعرون أن الغموض والانبهام متصلان بنقص المعرفة أو نقص الإدراك أو يهما معا، ومن هنا لسنا نبالغ إذا قلنا: إن المفكر يعمل على امتداد حياته على مكافحة العماء و(اللا تكون) مع انه يدرك تماما إن الجلاء التام قد لا يكون متاحا في كل الأحيان، ولهذا فالمطلوب اعلي درجة من الفهم والرؤية والإحاطة، ولعلي أشرح ما أردي عبر الأتي:

أ‌.  حين نود أن نفكر في شيء تفكيرا نقديا صحيحا، فإن هذا يتطلب أن نقوم بتحديد هذا الشيء وتصور ماهيته بدقة، لأننا ما لم ننجز هذا ، فإن كل الجهود اللاحقة قد تكون غير ذات معنا، ولهذا قال المناطقة: (الحكم على الشيء فرع من تصوره).

اللغة بطبعها حمالة أوجه وقابلة لكثير من الاستخدام غير النزيه، والشيء المهم هو أن ندرك أن (التعريفات) ستظل قابلة للتحيز والتعبير عن وجهات النظر الشخصية، ولهذا فإن علينا أن نتحدث عنها في بداية كل بحث وكل نشاط...

وأن نسعى إلى أعلى درجة ممكنة من الوضوح والتحديد.

ب‌. حين يتحدث أمامنا شخص في قضية ما ، فإن من المهم أن نعرف مدى قدرة ذلك الشخص على الفصل بين أفكاره وعواطفه؛ حيث أن من الثابت أن الأفكار تؤثر على العواطف، ونحن حين نسمع ثناء عاطرا على شخص يتحسن موقفنا الشعوري اتجاهه، وحين نتعاطف مع شيء فإن تعاطفنا يحرض العقل على إنتاج الأفكار الايجابية نحوه.

كما أمن العاطفة تكون أشد كلما كان المستوى المعرفي للإنسان منخفضا، والعكس صحيح.

أن الإنسان حيث يتحدث عن خطأ فادح وقع فيه أحد أبناءه، يتحدث بلهجة مختلفة عن اللهجة التي يتكلم بها فيما لو كان المخطأ شخصا غريبا أو معاديا، وهذا من جملة الضعف المستولي على البشر.

ج. دائما هناك تساؤل مشروع حول جوهر الكلام، الذي يستخدمه الكاتب أو المتحدث أو المحاور...

هل ما يقوله عبارة عن حقائق ثابتة متفقة عليها ! ، وهل تلك الحقائق منقولة عن أشخاص آخرين، أو أنه شاهدها أو سمعها بنفسه، أو أن ما يقوله عبارة عن رأي وتحليل شخصي!

كثيرا من الناس لا يدركون الفروق بين ما ذكرناه، ولهذا فإنهم يتحدثون بطريقة مبهمة وغامضة، حين يرى الإنسان وقوع حدث ما بنفسه، فإن إمكانية تصديقه تكون أكبر، لكن حين يقول: أنا لم أشاهده، لكن حدثني من شاهده ، فإن القضية تصبح مختلفة، فقد يكون الذي شاهد غير قادر على تفسير ما شاهده على نحو صحيح، وقد يكون غير صادق فيما يقوله، وكلما طالت سلسلة الإسناد صارت إمكانية الوهم والخطأ التخليط أكبر، ومن هنا برزت قيمة الأسانيد العالية لدى علماء الحديث.

أما حين يكون ما يطرحه الكاتب أو المتحدث عبارة عن رأي شخصي، فإن التأكد من صحته يصبح غير ممكن، فالذي نتأكد من صحته هو الحقائق المشاهدة من قبل شخص والمنقولة عن أشخاص آخرين، أما التحليل الشخصي فإنه يحتاج إلى محاكمة عقلية منطقية، لأنه قد يكون مبنيا على أسس صحيحة، وقد يكون مبنيا على أسس غير صحيحة، وقد وضع علماؤنا قاعدة جميلة تشير إلى ما ذكرناه حين قالوا: ((إن كنت ناقلا فالصحة، وإن كنت مدعيا فالدليل)).

د. من المهم ونحن نسعى إلى الوضوح أن نبحث عن العلاقة التي تربط راوي الحديث أو صاحب الرأي يما يرويه ويطرحه، وأنا دائما أقول: إن تجرد الناس من أهوائهم وغض طرفهم عن مصالحهم ليس بالأمر اليسير، إننا لو نظرنا إلى ما تنشره الصحف اليومية تجاه الأحداث المختلفة، فإننا سوف نصاب بالفزع، لأن تفسير الصحف الموالية للحكومات للأحداث متباين إلى حد بعيد لتفسير صحف المعارضة، لذلك إن نقد أي شيء مسموع أو مكتوب ينبغي أن يهتم بفهم مصلحة صاحب الكلام في الطرح الذي يطرحه، وإلا فإننا لن نفهم الأمور على الوجه الصحيح.

مصادر المقال: 
كتاب تكوين المفكر - عبدالكريم بكار