بين السعادة والبحث عن المعنى

صورة محمد تولا

في دراسة أجرتها مؤسسة غالوب الأمريكية، ورد أن مستوى الشعور بالسعادة لدى الأمريكيين مرتفع على مدى أربع سنوات، بنفس القدر، ربما، الذي ترتفع فيه مبيعات كتب تتضمن كلمة “السعادة” في عناوينها. وتذكر الدراسة أن 60% من الأمريكيين اليوم يشعرون بالسعادة، وبدون ضغوط نفسية أو هواجس في حياتهم. في المقابل -وحسب مركز مكافحة الأمراض- فإن 4 من بين كل 10 أمريكيين لم يتوصلوا بعد إلى هدف مقنع لحياتهم. أما 40% فهم إما أنهم لا يعتقدون لحياتهم حساً واضحا بالهدف، أو أنهم محايدون في وجود هدف لحياتهم. ويشعر نحو ربع الأمريكيين بالحياد أو يفتقدون حساً قويا بما يجعل حياتهم ذات معنى.

لقد أظهرت دراسة، أن وجود هدف ومعنى للحياة، يزيد من عافية الإنسان، ودرجة الرضا عن الحياة، كما أنه يحسن من الصحة العقلية والبدنية، ويعزز صلابة الإنسان، وتقديره لذاته، كما أنه يقلل من فرص الإصابة بالقلق. وفوق كل ذلك، فإن البحث عن السعادة وحدها، يترك الإنسان -ويالمفارقة- أقل سعادة، حسب دراسة حديثة. ويقول مؤلف كتاب “البحث عن المعنى”، إن البحث عن السعادة بالتحديد هو ما يعيقها.

 ذلك هو السبب الذي دفع بعض الباحثين للتحذير من البحث السعادة المجردة. في دراسة جديدة متوقع نشرها هذا العام في مجلة Journal of Positive Psychology  سأل علماء النفس400  أمريكي تتراوح أعمارهم بين 78-18  ما إذا كانوا يعتقدون أن حياتهم ذات معنى وسعيدة أو الاثنين معا. وقد وجد العلماء أن الحيات ذات المعنى والحياة السعيدة يتقاطعان بطرق محددة ولكن الأمرين في نهاية المطاف مختلفان جدا. وقد توصل العلماء إلى ذلك بعد تحليل استمر لمدة شهر لحديث المستطلع آراءهم عن مواقفهم السلوكية تجاه المعنى والسعادة والكثير من المتغيرات النفسية، مثل مستويات القلق وأنماط إنفاق الأموال، وإنجاب الأطفال. ووجد العلماء بأن كون الإنسان يعيش حياة سعيدة فهو مرتبط بكونه ” يأخذ “، بينما كون الإنسان يعيش حياة ذات معنى، فإن ذلك يقترن بكونه “يعطي”.

 “إن السعادة دون المعنى تعكس – إلى حدما – شخصية سطحية، ومتمحورة حول ذاتها وتعيش حياة أنانية تسير فيها الأمور على ما يرام، وتشبع فيها الحاجات والرغبات بدون جهد، ويتجنب فيها الشخص المآزق التي تحمِّله أعباء والتزامات معينة” كما يذكر البحث.

ولكن، ما الفرق بين الحياة السعيدة والحياة ذات المعنى؟. لقد وجد الباحثون بأن السعادة تتعلق بالشعور بالارتياح. وقد توصل الباحثون إلى أن الأشخاص السعداء يميلون إلى الاعتقاد بأن الحياة بسيطة، فهم في صحة بدنية جيدة، وأنهم قادرون على شراء الأمور التي يحتاجون إليها أو يرغبون بها. ويبنما يقلل عدم امتلاك الكفاية من المال من مستوى اعتقدانا بكون حياتنا سعيدة أو ذات معنى، فإن قلة المال تؤثر بشكل أكبر على مستوى الشعور بالسعادة. كما أن الحياة السعيدة تعرف أيضا بنقص الضغوط والقلق.

 الأهم من ذلك ومن وجهة نظر اجتماعية، فإن البحث عن السعادة يقترن بالسلوك الأناني، كونه – كما ذكرنا- مرتبطا “بالأخذ” بدل “العطاء”. ويقدم علماء النفس تفسيرا متطورا لذلك بالقول: إن السعادة تتعلق بتقليل الدوافع، فحين تكون لدينا حاجة ما أو رغبة – مثل الجوع- فنشبعها وسنشعر بالسعادة. فالبشر يشعرون بالسعادة حين يحصلون على ما يريدون. وبهذا المعنى، فإن البشر ليسو وحدهم من يتملكهم شعور السعادة. فالحيوانات لديها حاجات ودوافع أيضاً، وإذا أشبعت تلك الدوافع تشعر الحيوانات  بالسعادة أيضاً، كما يشير الباحثون.

السعداء من البشر يجدون الكثير من البهجة عندما ينالون المزايا من الآخرين، بينما يجد من يعيشون حياة ذات معنى الكثير من البهجة من عطاءها للآخرين.

كما تشرح كاثلين فوس، وهي ممن ألفو هذه الدراسة في عرض قدمته في جامعة بنسلفانيا. إن “المعنى” يتجاوز الذات في حين أن السعادة تتمحور حول منح الذات ما تريد. فالأشخاص ذوو المعنى العميق في حياتهم، هم فالباً من يساعدون من هم في حاجة للمساعدة. وتقول الباحثتان  جينيفر آكر، وايميلي غاربينسكي من جامعة ستانفورد، وشاركا في البحث: “إذا كان هناك ما يستحق الذكر، فهو ان السعادة الخالصة مرتبطة بعدم مساعدة الآخرين من ذوي الحاجة”.

 ليس السعي للحصول على السعادة هو ما يميز البشر عن الحيوانات، فالأحياء الطبيعية تشترك في الشعور بالسعادة، لكن السعي وراء المعنى هو ما يميز بني الانسان. كما يذكر، روي باوميستر، أحد المشاركين الأساسيين في البحث، وأحد مؤلفي كتاب “قوة الإرادة – استكشاف قوة الإنسان الأعظم” وهو عالم نفس اجتماعي، من جامعة ولاية فلوريدا اعتبر ضمن قائمة معهد المعلومات العلمية كأحد أكثر الباحثين العلميين ممن اقتبست أقوالهم في عام ٢٠٠٣.

 وتحدث المشاركون في الدراسة عن اشتقاق “المعنى” من التخلي عن بعض من ذواتهم للآخرين، وتقديم التضحيات بالنيابة عن كل المجموعة. ويفيد مارتن إ . ب . سليغمان، أحد أبرز علماء النفس المعاصرين، بأنه في الحياة ذات المعنى، ” نستخدم أقصى قوانا ومواهبنا للانتماء إلى، أو خدمة أمر ما نؤمن بأنه أكبر من ذواتنا”   وعلى سبيل المثال، فإن تزايد وجود المعنى في حياة أحدنا ارتبط بأنشطة مثل، شراء هدية للآخرين، أو الاهتمام بالأطفال، والجدال. إن أولئك الذين يمتلكون معانٍ أسمى في حياتهم غالبا ما يبحثون بجد عن المعنى حتى عند معرفتهم أن ذلك قد يكون على حساب سعادتهم. ولأنهم استثمروا أنفسهم سلفاً لشيء أكبر من ذواتهم، فإنهم يحملون الهم أيضاً، ولديهم مستوى من الضغط النفسي والتلهف في حياتهم أعلى من السعداء من البشر.

فإنجاب الأطفال مثلا، مقرون بحياة ذات معنى، ويتطلب تضحية بالنفس، ولكن إنجاب الأطفال عرف بشكل شائع بأنه مرتبط بانخفاض درجة السعادة بين الآباء، ومن بينهم أولئك الذين استطلع البحث آرائهم. بل ويظهر بحث أجراه دانيال غيليبرت عالم نفسي من جامعة هارفارد أن الآباء أقل سعادة عندما يتفاعلون مع أطفالهم منهم عندما يمارسون الرياضة أو يأكلون أو يشاهدون التلفاز.

ويقول باوميستر في مقابلة أجريتها معه: ” إن جزءاً مما نفعله كبشر هو الاهتمام بالآخرين والمساهمة من أجل الآخرين، وذلك ما يجعل الحياة ذات معنى ولكنه لا يجعلنا سعداء بالضرورة.

 إن المعنى ليس مرتبطا فقط بتجاوز الذات ولكنه يتعلق أيضا بتجاوز اللحظة الحاضرة، وتلك ربما أهم خلاصة توصلت إليها الدراسة، كما يفيد الباحثون. فبينما تمثل السعادة عاطفةً نشعر بها هنا والآن، فإنها في نهاية المطاف تذوي وتتلاشى، حالها حال كل العواطف. فالمشاعر الايجابية والشعور بالبهجة يتلاشيان. وتتزامن كمية الوقت الذي تحدث فيه الناس عن شعورهم بحالة جيدة أو سيئة، مع السعادة، ولكن لم يتزامن ذلك مطلقا مع المعنى.

يمثل المعنى أيضا، في وجه آخر منه التحمل. فالمعنى يربط الماضي بالحاضر وبالمستقبل. “فتجاوز التفكير في الوقت الحاضر، باتجاه الماضي أو المستقبل يعتبر علامة لحياة ذات معنى لكن غير سعيدة” كما يقول أحد الباحثين. ويضيف: ” إن السعادة بالعموم لا توجد في التأمل في الماضي أو التفكير في المستقبل، بمعنى، أن من أولئك الذين فكروا في اللحظة الحاضرة هم الأكثر سعادة. لكن من أنفقوا أوقاتهم في التفكير بالمستقبل أو التفكير في كفاح ومعاناة الماضي فقد شعروا بالمعنى في حياتهم أكثر مع كونهم أقل سعادة”.

وتشير الدراسة إلى أن وقوع حوادث سلبية في حياتك، تقلل من سعادتك لكنها تزيد من نسبة المعنى الذي تحمله في حياتك. وأكدت دراسة أجريت عام 2011 نفس النتيجة، وأفادت بأن الأشخاص ممن يمتكلون المعنى في حياتهم، في شكل هدف محدد وواضح يقدرون رضاهم بحياتهم أكثر -حتى عندما كانوا يشعرون بالسوء- ممن لا يمتلكون هدفا محدداً.

 إن السعي وراء المعنى هو ما يميز البشر. فأن تضع رغباتك الأنانية جانبا لخدمة إنسان ما أو قضية ما أكبر من ذاتك، وأن نكرس حياتنا للعطاء بدلا من الأخذ، فإننا نعبر عن إنسانيتنا الأساسية، كما أننا نعترف بأن هناك في الحياة الطيبة أهم من السعي وراء السعادة البسيطة.

 

مصادر المقال: 
* الرابط للمقالة الأصلية هو: http://www.theatlantic.com/health/archive/2013/01/theres-more-to-life-than-being-happy/266805/#sthash.pDy6j1kR.dpuf

التعليقات

صورة عمر شمس الدين

جميل المقال برغم عدم إتفاقي في تقسيمه للسعادة والمعنى

فلو أجرينا هذا الإسنبيان في الشرق الأوسط مثلا قد نخرج بنتائج مختلفة
وهنا يأتي الإختلاف فيما يخص العلوم الإنسانية حيث أولويات الناس و مقدماتهم تختلف باختلاف موروثهم الثقافي و إرثهم الديني و الإجتماعي

لعل الأمر صحيح كما هو عندهم .. لكن هذا لا يعني أن يكون كذلك عندنا 

 

صورة سمر عليوة

أعتقد أنه إن جُعلت حياتك بمعنى وهدف حرزت السعادة لا محالة