مسؤولية المثقف مما يجري خارج الحدود

صورة مصطفى الحسن

حين ننظر للأخلاق على الورق تبدو المساحات واضحة، هناك خير كامل وواضح وبإمكاننا أن نشير إليه بالبنان، وهناك شر كامل وواضح كذلك، وبناء عليه تبد لنا منظومتنا الأخلاقية واضحة للوهلة الأولى، لكن الخياة الواقعية تخبرنا أن الخير والشر مختلطان، اللون الأبيض والأسود ممتزج ببعضه وبألوان أخرى حتى لا تكاد تعرف اسم هذا اللون الجديد.. لكنك في حياتك مضطر لأن تتخذ موقفا مما تواجهه حتى تمضي الحياة.. فبناء على تقييم سريع في مثير من الأحيان نتخذ موقفا أخلاقيا.. وحتى نبقى متسقين مع أنفسنا نجزم بأن اللون الجديد لم يلتبس علينا وأننا نراه بوضوح تام.. إن الخير هنا والشر هنا.. وبناء على ذلك اتخذت أنا هذا الموقف.. والعجيب أننا على استعداد لتغيير رأينا في اليوم التالي أو ربما في السنة التالية.. لكننا لا نتعظ بأن اللون التبس علينا بل نتحدث باليقينية ذاتها.. ونجزم أن هذا اللون الجديد واضح بالنسبة لنا.. مع أننا كنا نراه أسودا وصرنا اليوم نراه ناصع البياض.

حين نعترف أن اللون اختلط علينا.. فإننا نتخذ موقفا لأننا أمام حادثة يجب علينا فيها أن نتخذ موقفا منها حتى تمضي الحياة، لكننا سنكون أقل يقينية وبالتالي أكثر تسامحا مع المخالف.. وستكون عندنا فسحة أكبر على التراجع.

ما يحدث في سوريا ومصر ودول كثيرة.. هي اختلاط للألوان.. في بداية الثورة كان التمييز بين الألوان أسهل، لكنه الآن بات أصعب وأعقد، وكل يوم يظهر تدرج جديد في الألوان يزيد الأمر تعقديا والعين حيرة، لو كنت في سوريا لكان علي أمام هذا الاختلاط أن أتخذ موقفا، فإما أن أنخرط في النضال المسلح ضد نظام بشار الفاسد أو أن أكون في صفوفه، أو أن ألزم بيتي، والسكوت في وسط المعركة هو موقف سياسي، سيحسب لصالح هذا الطرف أو ذاك، أو ربما طرف ثالث أو رابع، لكني مع اختلاط الألوان علي فأنا مضطر إلى أن يكون لي (خيار سلوكي)، وفي مصر كذلك، فلو أني كنت هناك لكان علي أن أتخذ خياري إما مع مؤيدي مرسي أو مع المعارضين له أو حتى ربما مع الفلول أو غيرهم، زربما ألتزم بيتي، وأيضا الصمت هنا والتزام البيت هو موقف سياسي له تأثيره، لكن ماذا عن الواقفين من بعيد يقرؤون ويسمعون ويتأملون في المواقف والأحداث ويرون اختلاط الألوان.. هل عليهم أن يكون لهم (خيارا سلوكيا) أيضا، أم يسعهم أن يقفوا على مسافة من الأحداث بحكم بعدهم الجغرافي، وأيضا أنهم ليسوا من أهل تلك البلاد.

ثمة من يرى أن من (واجب المثقف) ومن (مسؤولية المثقف) أن يكون له موقفا واضحا من كل تلك الأحداث، فهو إما هنا أو هناك، وبحسبة بسيطة فإنه بناء على هذا ستتصدر الأزمة الموجودة في مصر مثلا إلى السعودية، وتصبح أزمة حادة بين المثقفين والمهتمين بالشأن العام والمحللين السياسيين والناشطين... إلخ، وذلك لأن الجميع من دافع (المسؤولية) اختار أن يكون إما هنا أو هناك.

حين لا أكون مضطرا لاتخاذ خيار سلوكي، بسبب عدم مباشرتي لما يحدث، فلماذا لا أقف في المسافة التي يسعني أن أقف فيها، وأن أرى اختلاط الألوان كما هي مختلطة دون أن أدعي أني أرى ه اللون الجديد، وأنني قادر على تمييز الألوان الأولية التي شكلت هذا المزيج ومازالت تعيد تشكيله في كل يوم.. هذه المسافة التي يسعني اتخاذها تزيل التعصب وتخفف الاحتقان، بل وتحصر المشكلة في نطاقها الحقيقي، الواقع أن بعضنا يعيش في توتر وغضب وقلق وكأنه في ميدان التحرير مع أن يجلس في بيته ويخطط أين يقضي إجازته.

لست أقول إن اهتمام بالشأن العربي والإسلامي هو نوع من الفضول أو تضييع الوقت، لكني أقول إنه متى ما يسعني اتخاذ مسافة من الحدث فهذه نقطة لصالحي علي أن لا أتخلى عنها، إنني لست مضطرا لأن أصوت لصالح مرسي في حال كانت هناك انتخابات مبكرة قادمة، كما أنني لم أكن كذلك في الانتخابات السابقة، كما هو حال أي مواطن مصري، لذلك ليس علي أن أختار مرشحي في جمهورية مصر العربية ولا في غيرها في موقع تويتر أو الفيس بوك أو حتى في مقالات الرأي.. هذه المسافة هي في صالحي وليست ضدي، وليس من مسؤولية المثقف أن يكون صارما ويقينيا وكأنه في وسط الميدان، بل في كثير من لأحيان يكون من مسؤولية المثقف نفي هذا الوضوح بين الخير والشر الذي تدعيه كل الأطراف.

مصادر المقال: 
http://www.alyaum.com/News/art/87275.html

التعليقات

صورة سمر عليوة

بالفعل نحنُ في زمن اختلطت فيه الألوان ،، الله المستعان