(أمة من العباقرة): كيف بدأت العلوم الهندية تهيمن على العالم

صورة طارق راشد

«سيكون من واجب كل مواطن هندي أن ينمّي المزاج العلمي، والمبادئ الإنسانية، وروح التقصي والإصلاح». لقد أصر جواهر لال نهرو Jawaharlal Nehru، أول رؤساء وزراء الهند، على اشتمال الدستور الهندي الذي بدأ العمل به في 26 يناير 1950 على هذه العبارة.

 تتسم عبارة «المزاج العلمي» التي قال بها نهرو بالإيجاز الرائع؛ حيث تصف رؤيته لإقامة أمّة يمكن للناس فيها التفكير على نحو مستقل واستعمال المنطق وفهم المنهج العلمي. وهكذا، نجد نهرو يضع إيمانه في العلوم والتكنولوجيا في أرض عمادها الدِّين والتديّن. لقد آمن نهرو بأن «العلم وحده يمكنه حل مشكلات الجوع والفقر، والأمية وانعدام النظافة الصحية، والخرافات والعادات والتقاليد المميتة» وأن «المستقبل سيكون للعلم ولمن يمتلكون ناصية العلم». لقد كان نهرو يريد أمة من العباقرة.

تقول أنجيلا سايناي في كتاب «أمة من العباقرة»: «يُشتهر الهنود والأفراد ذوو الأصل الهندي، أينما كنا نعيش في هذا العالم، بأنهم محترفون ومجتهدون ومهرة ومجدون ومهووسون بالكمبيوتر». وقد أمضت سايناي، وهي صحفية علمية بريطانية مولودة لأبوين هنديين، ستة أشهر في الهند وهي تستكشف أمة العباقرة التي أرادها نهرو بعد نحو 50 سنة على وفاته.

تمتلك الهند بتعداد سكانها الذي يقترب من 1.2 مليار نسمة، أكبر مَعين في العالم من العلماء والمهندسين. وعلى الرغم من أن معدل الأمية يحوم حول نسبة مؤسفة تبلغ 60 في المائة، فإن هناك نحو 400 جامعة تفرز مليوني خريج كل عام من ضمنهم عدد مذهل من المهندسين قوامه 600 ألف مهندس، والأشد رواجًا من بين هؤلاء هم خريجو المعاهد الهندية للتكنولوجيا وعددها 16 معهدًا. ومع ذلك، فبدلًا من اكتشاف مراتع للفضول الفكري والابتكار، وجدت سايناي كادحين لا عباقرة. فالضغط بلا هوادة على طلاب الهند «يُضعف ملكة الخيال» ويدفع المئات إلى الانتحار.

من مركز بابا للأبحاث الذرية المقام على الطراز السوفييتي إلى أكاديمية الأبحاث السنسكريتية، يوجد «العبقري والغريب» جنبًا إلى جنب، وهنا تجد الأفكار الحمقاء آذانًا صاغية أكثر منها مقارنة بالغرب. وتشير سايناي إلى أن الهنود يتمتعون «بحرية فريدة من نوعها لاستكشاف منتهى ما يُعتقد أنه ممكن».

العلوم الهندية بعيدة كل البعد عن الهيمنة على العالم، فلا تساهم الهند حاليًا إلا بأقل من 3 في المائة من المخرجات البحثية العالمية، حيث تأتي بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بفاصل كبير، لكن هناك عددًا متزايدًا من الباحثين الهنود بدأوا يعودون إلى ديارهم لقيادة جيل شاب بعد أن صنعوا لأنفسهم صيتًا ذائعًا في الخارج.

تكشف الصورة النابضة بالحياة التي ترسمها سايناي للهند، تلك الأمة رفيعة التكنولوجيا، عن بلد في عجلة من أمره. لا أحد يعرف كم سيستغرق هذا، لكن توسع الهند الاقتصادي الحالي يذكّرنا بأنها منذ أكثر من 1000 سنة مضت كانت تمتلك ثقافة علمية متقدمة مثلها مثل أي ثقافة أخرى في العالم. وقد قال ونستون تشرشل Winston Churchill ذات يوم: «إمبراطوريات المستقبل ستكون إمبراطوريات العقل».

الهند أمة من العباقرة والكادحين والمهرة. فنحو واحد من كل خمسة من جميع العاملين في حقل الرعاية الطبية وطب الأسنان في المملكة المتحدة من أصل هندي، وواحد من كل ستة علماء موظفين يحملون درجة الدكتوراه في العلوم أو الهندسة في الولايات المتحدة آسيوي، بل إن هناك من ادعى مع مطلع الألفية الجديدة أن ثلث جميع المهندسين العاملين في منطقة وادي السيليكون هم من أصل هندي، كما يدير الهنود 750 شركة من الشركات التقنية هناك.

«أمة من العباقرة» رحلة تقوم بها المؤلفة عند فجر هذه الثورة العلمية وتلتقي فيها المخترعين والمهندسين والعلماء الشبان الذين يساعدون على ولادة القوة العظمى العلمية التالية في العالم، وهي أمة لم تنبن على فتح البلاد ولا على النفط ولا على المعادن، بل أمة انبنت على عبقرية شعبها العلمية. وتوضح أنجيلا سايناي كيف تفسح العلوم القديمة المجال للعلوم الجديدة، وكيف بدأت تكنولوجيا الأثرياء تنتقل إلى الفقراء. كما تغوص سايناي في أعماق أنفس مواطني الهند المتعطشين للعلم، مستكشفةً الأسباب التي حدت بحكومة البلد الأكثر تدينًا على وجه الأرض إلى الإيمان بالعلوم والتكنولوجيا.

من خلال التحقيقات الصحفية الذكية التي تجريها المؤلفة على أرض الحدث ومن خلال التحليل الدقيق، يشرح لنا «أمة من العباقرة» ما يعنيه هذا بالنسبة لبقية دول العالم، وكيف تتمكن أمة روحانية من المواءمة بين روحها والعقلانية الشديدة. كما يصف الكتاب المليء بالشخصيات اللافتة للنظر والنابضة بالحياة والقصص الجذابة الهند من خلال شعبها. فيا لها من أمّة من العباقرة.

لقد آمن جواهر لال نهرو سنة 1960 بأن «المستقبل سيكون للعلوم». كان نهرو يريد إحداث تحول في الهند لتصبح «أمة عقلانية علمية من المحترفين البارعين» كما تقول الصحفية العلمية أنجيلا سايناي، التي تمضي حتى لتقول إن الهند ربما تكون «مهد المعرفة»؛ حيث استخدم الهنود الكسور العشرية والجبر قبل الغرب بقرون من الزمان. سايناي، ابنة المهندس الكيميائي الهندي والتي تعترف بأنها هي نفسها من المهووسين بالحوسبة، مؤهلة تمامًا لتفسير الأسباب التي تجعل الهنود «مشهورين بأنهم محترفون ومجتهدون ومهرة ومجدون ومهووسون بالكمبيوتر» وما إذا كان من الممكن أن تصبح الهند قوة عظمى علمية. تسافر سايناي في مختلف ربوع البلد لتتحدث مع «أساتذة جامعيين غريبي الأطوار»، بداية من علماء الفضاء وعلماء البيولوجيا الذين يصممون ثمار موز معدلة وراثيًا ذات فترة صلاحية أطول، إلى أيقونة عالم الكمبيوتر الملياردير نارايانا ميرثي Narayana Murthy، مؤسسة شركة إنفوسيس. ربما يتجه نظام التعليم في الهند إلى إفراز عقول كادحة لا عقول خلاقة، لكن سايناي ترى أن موطن قوة هذه الأمة تكمن في تسامحها مع غريبي الأطوار، حيث تجادل بأن التقدم العلمي يُعنى «بتنشئة ذلك العشق المجنون الغامض للإجابة عن الأسئلة».
--------------------------------------------

عرض: طارق راشد

مصادر المقال: 
http://www.alarabimag.net/science/Article.asp?Art=226&ID=9
ملف النهضة: 

التعليقات

صورة يحيى جودت

أشكركم من أعماقي على هذا الموقع ؛ وعلى هذا المقال بالذات ...
ويؤسفني أنه لم يعلق أحد قبلي ...
كون المقال منهج أمة  تعيش اليوم لها قيمتها وإحترامها ...
لو أدرك اليوم حكامنا وعلماؤنا ومفكرينا  حال هذه الأمة " الهند" ؛ لبدأ كل فرد في أعداد مشروع لأخراج هذه الأمة من هامشيتها ، التي يغيب عنها التنظيم والتخطيط والرؤية  الواضحة التي نحتاجها اليوم لرسم معالم المستقبل ...
تحية عميقة لكل القائمين على الموقع مغلفة بالود والحب والتقدير....