قراءة في كتاب (المشروع الحضاري لإنقاذ القدس)

صورة محمد درويش

جميل أن يصدر كتاب بهذا العنوان المهم والشيق ، إذ أن الكتاب في عنوانه يحوي موضعين من أهم المواضيع التي تهم الإنسان المسلم صاحب الرسالة الربانية في بناء المشروع الحضاري وإنقاذ القدس ، والأجمل من ذلك في ظني أن يكون المضمون أي ما جاء في الكتاب عن الموضوعين ، فيه من العمق والتماسك مما يخدم الفكرة، وفي الحقيقة هذا ما دعاني لاستعراض الكتاب معكم عبر مقال محاولاً من خلاله تقييم مدى نجاح الكاتب - الأستاذ محمد عبدالفتاح حليقاوي- في نسج خيوط المشروع الحضاري وعملية إنقاذ القدس .

جاء الكتاب في 84 صفحة من القطع المتوسطة والكتاب في الحقيقة هو دراسة لها أهداف وتعالج مشكلات .

أولاً: عن الدراسة : انطلق المؤلف في دراسته من الأهمية التي تمثلها مدينة القدس في العقيدة الاسلامية والحاجة الى إنقاذ هذه المدينة من ظلم الاحتلال الغاشم عليها وعلى أهلها ، محاولا صياغة الدراسة لتكون فيها من الجوانب العملية ما يمكن أن يساعد على ذلك، وفي ذهنه " قلّة الدراسات التي تتناول واقعها الحقيقي سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا، فضلًا عن وجود الدراسات التي تخرج من نطاق النظرية نحو بلورة رؤية واضحة ومشروع يمكن أن يساهما في رسم خطوة على طريق إنقاذ المدينة وتحريرها ".

مطالبا بـ " الارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجه مدينة القدس وأن ذلك يقتضي أن تتكاثف الجهود وفق منهجية علمية واضحة، وخطة عمل مرحلية، وصولًا إلى تحقيق الأهداف المنشودة"

والهدف الذي اعلنه الباحث ويريد تحقيقه من خلال تقديم الدراسة في جوهره هو: "بلورة مشروع بصورته الأوّلية حول إمكانية تحديد الأطر العامة، والمعوقات، والشروط، والقوانين اللازمة في سبيل صياغة ابتدائية لمشروع حضاري نهضوي عربي مسلم تكون ثمرته أو إحدى ثماره إنقاذ وتحرير مدينة القدس".

فهل استطاع الكاتب أن يحقق ما كان يهدف إليه ؟ هذا ما سنحاول معرفته من خلال استعراض سريع ومختصر للكتاب آملين أن تكون هذه الخطوة أيضا بطريقة أو بأخرى لمصلحة هذا المشروع الكبير مشروع حضاري لتحرير القدس.

ثانيا: عن القدس: في 31 صفحة قام المؤلف باستعراض تاريخ مدينة القدس من قبل ظهور الاسلام الى أن تم احتلالها من قبل اليهود مرورا بالفترات الذهبية لظهور الاسلام حتى العهد العثماني ، واستمر في استعراض الأوضاع الحالية لمدينة القدس مع وضع التصورات والحلول المحتملة لمستقبل المدينة في ظل عملية السلام والمفاوضات والاحتلال الصهيوني.

وفي الحقيقة في هذا الجزء من الدراسة لم يأتي الكاتب بأي جديد تقريبا ولا بأس في ذلك إذا كان الأمر مقدمة لها ما بعدها أي للدخول في جوهر الكتاب من حيث ربط المشروع الحضاري مع مشروع تحرير القدس أو باعتبار إنقاذ المدينة ثمرة من ثمرات المشروع الحضاري للأمة .

ثالثا: عن المشروع الحضاري: استعرض الكاتب بإبداع بعض الأساسيات عن المشروع الحضاري للأمة وكيف يجب أن يكون، ناقلاً عن مجموعة من مفكري الأمة خلاصات تُكتب بالحبر الذهبي ففي المدخل التمهيدي للدارسة كانت الأساسيات التالية وهي أساسيات لأي مشروع نهضوي حضاري:

1. " إنّ الإنسان العربي في الألفية الثالثة عندما يقرأ نصًّا من نصوص ثقافته وتراثه وتاريخه وحضارته الممتدة يقرأه متذكّرًا لا مكتشفًا ولا مستفهمًا فضلًا على أن يكون ناقدًا، وإذا كانت القراءة «السلفية، الاستشراقية، اليسارية، الليبرالية» هي قراءات أيديولوجية للتاريخ فإنها بالضرورة قراءة لا تاريخية؛ لأنها لا تضيف سوى نوع واحد من الفهم لهذا التاريخ هو: الفهم المنقوص للتاريخ، إذ التاريخ يحتوي هذه القراءة وهي لا تستطيع أن تحتويه؛ لأنها التاريخ يكرر نفسه " .

2. " ولمّا كان الفكر العربي الحديث وإشكالياته التاريخية بـرزت مـع ابن خلدون لا مع حملة نابليون كما ظنّ الكثيرون، فإنّ النصوص التاريخية التي تبحث لها عن مكان بين ظهرانينا باتت على نوعين: نصوص شرعية تعيش مستقبلها في الماضي، ونصوص تاريخية تعيش مستقبلها في الحاضر والآتي، وبعبارة أدق ينبغي الخروج من سلطة «المضنون به على غير أهله» من النصوص التاريخية في سبيل تحقيق قراءة علمية دقيقة لها، بحيث تصبح هذه النصوص خاضعة للعقلانية العلمية، ومن ثم يكون المأمول من المؤرخين إكمال ما كتبه ابن خلدون في مقدمته وعدم الاكتفاء بما أنجزه قبل قرون طويلة".

3. " المشروع الحضاري النهضوي للإنسان العربي المسلم في القرن الجديد ليس محاولة شعائريـة أو علمية أو ثقافية أو سياسية وإنما هو هذا كله في قالب علمي رصين" .

4. " إنّ المهمة الكبرى للمؤرخ العربي المعاصر ليست «إحياء» التاريخ ونصوصه وبالتالي استعادته بصورة ما؛ لأن هذا يتنافى مع تفرّد الإنسان العربي في صنع تاريخه الحاضر، وهي ليست كذلك انتقاء الصفحات المشرقة هنا وهناك؛ لأن هذا تكلّف ليس وراءه طائل، وإنما هذه المهمة العظيمة تتمثل في وضع تاريخنا ونصوصه في مكانها وموضعها الطبيعي " .

ثم انطلق في شرح وتوضيح ملامح المشروع الحضاري النهضوي لإنقاذ القدس وأنا هنا أتحفظ على عبارة " لإنقاذ القدس" إلا باعتبار الإنقاذ إحدى الثمار الطبيعية للمشروع الحضاري.

انطلق المؤلف من خلال العنواين التالية :

ملاحظات على هامش المشروع :

1. " نسعى في إطار صياغة مشروع حضاري نهضوي لإنقاذ القدس إلى تحقيق المراجعة النقدية"

ما هي المراجعة النقدية ؟

2." أما المراجعة النقدية فهي ممارسة معرفية في الماضي من أجل المستقبل، حيث يبدو المؤرخ وكأنه في ساحة الأحداث مباشرة، أما الذي يقوم بالمراجعة النقدية فمكانه في الخطوط الخلفية حيث يقوم بمراجعة الأحداث أثناء أو بعد انتهاء صيرورتها"

وما الفائدة منها؟

3. " من هذا المنطلق، فإن إنقاذ مدينة القـدس في هذه الدراسة سيكون هـو الثمرة التي سيجنيهـا بناة المشـروع النهضـوي الحضـاري، بمعنى أن التصـورات والآليات المرتجـاة هي محور الحديث والدراسة؛ لأنها ستقود إلى تلك الثمرة التي طال انتظارها وفق رؤية وعمل جماعي؛ لأن كلمـة مشـروع تفترض وجود جهـود جمـاعية وليس انتظـار قائد مثل صلاح الدين الأيوبي ، رحمه الله، الذي كان هو نفسه ثمرة مشروع نهضوي حضـاري عربي مسلم، أي أنه كان نتيجة وليس سببًا لهذا المشروع.
إنّ «عقدة الفارس» المخلّص الذي سيحرّر القدس مسألة في غاية الخطورة .

أسئلة المشروع النهضوي الحضاري :

وهي ستة سؤال التخلف ، والتراث ،  والاغتراب ، والعلم ،  والعمل ،  والتغيير.

المعوقات الفكرية للمشروع النهضوي الحضاري :

من أهم المعوقات الفكرية للمشروع النهضوي الحضاري:
1- " عدم تشخيص غاية المشروع النهضـوي الحضـاري تشخيصـًا واضحًا".
2- "عدم تشخيص المشكلات الاجتماعية تشخيصًا صحيحًا".
3- "عدم تحديد الوسائل والآليات تحديدًا يناسـب الغايـة المنشـودة والإمكانيات".

"وحول مسألة الوسائل يمكن القول: إن بناء مشروع نهضوي حضاري تكون إحدى أكبر ثماره إنقاذ مدينة القدس وتحريرها لا يتم بالأشياء «الوسائل» مهما كانت صلاحيتها وثمنها، وإنما يتم بالدوافع التي تحرّك تلك الأشياء والفكرة التي تربطها في العملية الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وعندما لا يكون في هذه العملية سوى الأشياء وحدها فالنتيجة تصبح في حكم الأوهام لا حكم التقدير والحسم".

شروط المشروع النهضوي الحضاري:

  • ·القضاء على التبعية والتخلف.
  • · إعادة النظر في أنظمة التربية والتعليم والبحث العلمي.
  • ·  مواجهة الطبقية.
  • · اعتماد المنهجية العلمية في التفكير والعمل والتنمية.
  • ·  مواصلة إحياء التراث العربي- الإسلامي.
  • .التخلص من الاغتراب.
  • .التحول نحو الحياة الديمقراطية.
  • · الوحدة العربية.
  • · تحقيق الحرية والعدالة.

قوانين المشروع النهضوي الحضاري:

"يمكن القول بشيء من المجازفة وكثير من اليقين: إن الإنسان العربي والمسلم المعاصر عندما يذهب إلى التاريخ للاستفادة منه بشكل حقيقي يروعه أنه سيقرأ نفسه ومجتمعه وأحداث عصره في بعض صفحاته، ويكاد يشعر أن ما يدور حوله ليس إلّا آخر طبعة من كتاب التاريخ".

"فأي مشروع نهضوي حضاري بحجم المشروع الذي يمكن أن ينقذ ويحرر مدينة القدس لا تتوافر له الشروط الحقيقية والقوانين التاريخية يصبح مشروعًا تضليليًا، واستمرارًا للمسيرة الخاطئة، والوصول إلى الهزيمة الحقيقية"

القانون الأول : أن يتولى فقه الدين أولو الألباب.

القانون الثاني :الانتقال من النظرية الى التطبيق.

القانون الثالث : الانطلاق من عالم أفكار صحيح.

القانون الرابع :التكامل بين الفكر والسياسة.

القانون الخامس : تكامل الاستراتيجية مع الاخلاص.

القانون السادس : التدرج.

القانون السابع : الوحدة الحقيقية والقدرة على التعامل مع الأفكار الوافدة.

القانون الثامن: الأمن الجغرافي.

استشراف المستقبل :

"إن ما يشهده العالم الإسلامي، والوطن العربي خصوصًا، من فشل في مساعي الوحدة ومشاريع التنمية، ومن نـزاعات وحروب وكوارث اجتماعية ووطنية في بعض مناطقه ودوله، كل هذا يجعل المشروع الحضاري النهضوي لإنقاذ القدس والإنسان العربي والمسلم في مواجهة الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدراسة، والشروط التي اقترحتها، والقوانين التي استخلصتها، ويحمل على إعادة التفكير في دور المثقف والعالم والمؤرخ، حيث ظهر هذا الدور، في معظم الأحيان، سلبيًا وعقيمًا، حيث تعامل هؤلاء مع النهضة المنشودة ومشاريعها بعقل مثالي حالم، أو بمنطق أيديولوجي مغلق"

"ليس ثمة شك أن المشروع الحضاري النهضوي لإنقاذ القدس، يذهب بعيدًا في اجتراح مقولة مؤداها: إن الطريق إلى مدينة القدس من أجل إنقاذها وتحريرها هو الإجابة عن الأسئلة والشروط والقوانين التي طرحتها الدراسة، بمعنى أن القدس هي النتيجة النهائية أو الثمرة الخالصة في مشروع طويل ينبغي أن يبدأ من نقطة ما في عقل وواقع الإنسان العربي والمسلم".

وبعد هذ الاستعراض الذي حاولت فيه أن أنقل للقارىء جوانب مهمة من الدارسة ليشاركني التقييم عليها من باب أنها تمثل في عنوانها قضية من أهم القضايا التي تشغل أبناء الأمة الاسلامية أقدم ملاحظاتي النهائية وأقول:

1)  في تحديد الهدف من الدراسة وصياغة تلك الأهداف نوع من الهروب إلى الأمام ويتبين ذلك جليا في استخدام العبارات مثل " مشروع في صورته الأولية " و " صياغة ابتدائية " ويقصد هنا المشروع الحضاري وثمرة إنقاذ القدس .

2) أغلب ما جاء في الدراسة إنما هو نقل عن المراجع التي ذكرها الكاتب مشكوراً بالتفصيل، وكنت أرى أن يكون لدى الكاتب القدرة الأكبر على محاولة صياغة جديدة لمشروع حضاري ينقذ القدس مستفيداً مما كتب الآخرون .

3) أكبر مشكلة واجهت هذا البحث في رأي أنه عام جداً بالنسبة لموضوع القدس ، فالمشروع النهضوي الحضاري للأمة في هذا السياق له ثمار كثيرة ومهمة بأهمية إنقاذ القدس أو أقل قليلاً، فيمكن أن يكون العنوان المشروع الحضاري لإنقاذ الأجيال أو لإنقاذ التعليم أو لإنقاذ أي قضية من قضايا الأمة ، فالمسألة كانت تحتاج من المؤلف الدخول أكثر في العلاقة بين المشروع الحضاري وإنقاذ القدس حتى نقول أن عنوان الدراسة يتناسب مع المضمون وعدم الإكتفاء فقط في استعراض تاريخي ومعاصر لوضع المدينة .

4)  لم يوفق الكاتب في رأي في بناء ارتباط حقيقي بين المشروع والثمرة وهي إنقاذ القدس بما تشمل من آليات ووسائل وقبل ذلك معالجة عالم الأفكار فيما يخص إنقاذ القدس على وجه التحديد .

5) هناك كتابات عن مشروع النهضة والحضارة فيها من التفصيل ما يمكن أن يغذي هذه الدراسة أكثر مثل كتابات الدكتور جاسم سلطان في النهضة.

6)  هناك بعض الاحتمالات الأخرى في ظني كانت تحتاج من المؤلف إلى وقفات منها على سبيل المثال لا الحصر :

  • · ماذا عن الفترة الحالية التي تسبق قيام مشروع حضاري نهضوي لإنقاذ القدس، ما هو المطلوب أن نفعله تجاه بيت المقدس، وماذا يمثل من يدافع عن المدينة الآن؟ هل هم جزء من هذا المشروع وبداية فعلية له؟ أم أنهم مجرد مدافعون عنها بحكم الإنتماء والعاطفة ؟
  • ·  هل من احتمال أن يتم تحرير القدس قبل قيام المشروع الحضاري ؟ وإذا كان هذا وارداً ؟ هل سيكون تحرير بيت المقدس هو الرافعة لقيام مشروع حضاري نهضوي للأمة ؟

-------------------------------

  • ·  كل ما جاء بين القوسين منقول عن الدراسة " ... "
  • · للاطلاع على الدراسة بالتفصيل :

http://www.sheikhali-waqfia.org.qa/SF/AR/BookShow/BookShowTree.aspx?BookId=240#PageNum=118

للإستاذ: محمد عبدالفتاح حليقاوي

الكلمات المفتاحية: 

التعليقات

صورة ابو سلطان

شكرًا جزيلا لك

رابط الصفحة في اخر مقالك يطلب كلمة السر

صورة أمين المزيان

شكرا أخي على المقال، وهو بالفعل من ضمن ما نحتاج إليه للمزيد من الضوء حول مشروع نهضة أمتنا ...
والمرجو وضع كلمة السر لرابط المقال حتى نتمكن من قراءة المزيد حول موضوع كتاب (المشروع الحضاري لإنقاذ القدس)

صورة admin

أهلا بك ، تم حل المشكلة، الرابط بدون كلمة سر.
أهلا بك دوما :)

صورة مروة الخطـيب

قد يكثر الكلام ويقل حول مدينة القدس وقدسيتها وتاريخها العريق ومكانتها في كل "الديانات" .. وبما ان المتكلم هنا مسلمـ فينبغي قبل كل شيء ان يشير الا ان النهضة او المشروع الحضاري لن يتأتي الا بعز القدس ، وان كل كلام قبله فارغ ! 
فما نفع الحضارة والعلم والثقافة والقدس ما زالت ترزح تحت نير الاحتلال ، قد تقولون ان نتعلم اولا ونتثقف ونبني انفسنا لنعيد القدس 
وانا اقول سوف نبني انفسنا في القدس ، في تحريرها وفي اعلان استقلالها ، ففي استقلالها استقلال للاسلام والمسلمين ، وما دام المشروع الصهيوني قائما فلن يترك مجالا للتقدم ! والعرب كما ترون كمن لا يرى ولا يسمع ، ولكن ربما هذه الثورات العربية بعد نضجها وتبني القدس كمشروع حضاري فعلا تستطيع ان تعيد لها المجد وتحقق نهضتها وتعيد حضارة الاسلام اولا والقدس ثانيا 
طرح طيب ، بوركتم