من الحراك الشعبي إلى التغيير الجذري

صورة هبة عبد الجواد

يبدو أنَّ حمّى الثورات لن تطال العلاقة بين المجتمعات والأنظمة الحاكمة فقط، لكنها أصبحت كالشرارة التي أوقدت بركان المطالبة بالتغيير في كل مكونات المجتمع. وقد نالت المؤسَّسات, والقوى السياسيَّة, والحركات الإصلاحيَّة, والتيارات الدينيَّة, بشكل خاص نصيبًا وافرًا من هذه الشعلة، والتي تفاوت موقدوها بين متحامل شديد يقترب من حالة الغضب والتوتر, إلى مجموعات جادة تحاول البحث عن طريق للتغيير.

 والسؤال الشائع: "ما هو وضع الحركات الإصلاحيَّة, والتيارات الدينيَّة, والقوى السياسيَّة في مجتمعاتنا العربية في المرحلة الحاليَّة{C}

, التي تتسم بالحراك الشعبي, والتي أخرجت كل تكتل بمفرده من معادلة التغيير كـ"فاعلٍ رئيس" إلى "داعمٍ أو عنصرٍ فعَّال" في أفضل الظروف, وكانت الغلبة في النهاية  للتضامن الشعبي من أجل تحقيق التغيير الجذري بإزاحة الأنظمة؟"

 إنَّ  تلك الحركات والتيَّارات والقوى عليها ألا تعيد النظر في أهدافها وألا تقوم بمراجعة شاملة، فهذا لن يجدي بشكل كاف في الوقت الراهن، لكن الأصل هو القيام بسياسة التغيير الجذري الذي تتبناه الإدارات العليا والقيادات صاحبة القرار، مع ضمان المناصرة الداخليَّة لمطالب هذا التغيير.

ففي ظل الظروف الراهنة والحراك الحالي فإنَّ هذا النمط من "التغيير الجريء" هو "حتمية إداريَّة"، وليس التحسين المرحلي والجزئي للوضع القائم فهذا لن يكون له الأثر المطلوب، كما أنَّ محاولة البحث عن حلول تطويريَّة أو تحسين وضع قائم، هي محاولة  للبقاء والاستمرار دون الحصول على فاعليَّة أكثر.

 كما أنَّها محاولة ستوقع المؤسسات ذات الأيدلوجيا بشكلٍ خاص في "ترقيع استراتيجيات" ليست نابعة من دراسة عميقة للمستقبل، فيحدث خلط بين المفاهيم والقَنَاعات, واستيراد حلول وتركيبها في غير مكانها.

 وربَّما أقوى مثال على ذلك ما يحدث في بعض الدول العربيَّة الآن؛ من المطالبة بتبنِّي التجربة التركيَّة أو اليابانيَّة أو تبنِّي ما يُسمى بـ"الليبراليَّة الإسلاميَّة" أو "العلمانيَّة الوسطيَّة" وخلافه كتصحيح لمسارات العمل، ولستُ بصدد موافقة أو مخالفة تلك الآراء ولكنها مخالفة لمحاولة تركيب حلول على غير أرضها ومناخها, دون تبنِّي سياسة التغيير الجذري الملائم للمرحلة.

 هذا التغيير الجذري لا يمكن أن يبدأ من الصفر، فمن المؤكد أنَّ هناك ثوابت عربيَّة وإسلاميَّة وإنسانيَّة يمكن البناء عليها، والتي بدورها من الممكن ألا تكون واضحة أو محددة في ظل المتغيرات التي أفرزت نظريَّات وحلول سياسيَّة واقتصاديَّة واجتماعيَّة جديدة وأزاحت أخرى قديمة ، مما يؤكد على ضرورة إعادة صياغة لتلك الثوابت العربية أو الإسلامية أو الإنسانية وبحسب الفكرة المركزية التي ترتكز عليها المؤسسة أو الحركة أو التيار يتحدد نوع الثابت الذي يمثل الإطار العام الذي تنطلق منه عملية التغيير.

 إن بناء أفكار من الصفر والتمحور حولها وإنشاء حلول أيسر بكثير من تغيير وضع قائم، لذا فإنَّ تحديد "نوع التغيير" مهم للمطالبين به، حتى لا يقعوا في فخ الجري في المكان، وليس تحديد نوع التغيير فحسب ولكن أيضا علاقته بتقبل القاعدة له ، يقول (جاري هامل) في كتابه  (قيادة التغيير الجذري): "التغيير الجذري والجريء يجب أنْ يستند إلى قواعد واضحة وراسخة يعرفها الصغير  قبل الكبير، وهذا يُؤكّد تجارب كثيرة لمؤسسات أو حركات حاول بعض أفرادها تبنِّي عمليِّة تغيير فيها ففشلت بسبب عدم الحصول على المناصرة الكافية من القاعدة".

 وبالتالي فإنَّ عمليَّة التغيير المطلوبة يمكن حصرها في خطوات؛ تبدأ بإزاحة كل عوائق التغيير التي تقف حائلاً دون التفكير الجاد والفاعل لتحقيق هذا التغيير، والخطوة الأخرى هي تغيير مفاهيم وقناعات وهي الخطوة الأطول والأصعب ، وربما الكثير من الإدارات تهتم بتطوير وتعديل الإستراتجيات في حين أنَّها ربما تغفل عن تشكيل المناخ الذي يضمن لأفرادها أن يكونوا متّسقين مع تلك الإستراتيجيات، فيحدث الخلل وتفقد الفاعليَّة تراكميًّا.

إنَّ الأمل كبير في أن تمرَّ رياح التغيير بسلام دون أنْ تعتري القوى السياسيَّة, والتيارات الدينيَّة, والحركات الإصلاحيَّة, حالة من الفوضى والتفتت في تلك المرحلة الخطيرة، و إنِّما تزيدها  قناعة  بأهميَّة  تحقيق التغيير الجذري من أجل أن يتحقق للمجتمع مكوناته الجادة من حركات وقوى إصلاحيَّة وسياسيَّة ودينيَّة تهدف مجتمعة لتحقيق النهضة الشاملة.

التعليقات

صورة د.جاسم

بوركت يا هبه، طرح رائع وموفق ،فقد دقت ساعة التحولات الكبرى .

صورة علا باوزير

باعتقادي أن التغيير الجذري في أي مجال لابد أن يمر بحالة فوضى ولو لمدة بسيطة جداً ..تتم خلالها نقل القناعات
واستيعاب الاستراتيجيات الجديدة ..ولكنها ليست الفوضى المدمرة إنما هي فوضى المواد الأولية المتراكمة
والخبرات السابقة والإمكانيات المتاحة قبل عملية إعادة بناءها وتركيبها من جديد ..وبعد أين يأخذ كل عنصر مكانه الصحيح في المنظومة وتكتمل الصورة ..يتحوّل التغيير إلى عملية ديناميكية
مستمرة ينبع من داخل المؤسسة وتفاعلها مع المؤسسات الأخرى ..

أ.هبة
شكراً على هذا المقال