حتى ُتؤتي روح الثورة أُكلها

صورة ياسر الغرباوي

أطلقت ثورة اللوتس المصرية روحا جديدة في أوصال الجسد المصري امتدت طولاً من أسوان إلى الإسكندرية، وعرضاً من رفح حتى السلوم، وتجلت هذه الروح في تفشي سلوكيات المبادرة، والحرص على البلد والرغبة في صنع المستقبل الواعد لمصرنا الحبيبة، فهناك الآن فى العديد من القرى والمدن المصرية مبادرات اجتماعية مثل: تنظيف الشوارع ، وتشجير الميادين ،ومساعدة الفقراء والمساكين، وهذه من مظاهر العافية ودلالات الحيوية للشعب المصري العظيم الذي بدء يتحسس ذاته وقدراته بعدما انتزع حريته بثورة 25 يناير المباركة

التي أذهلت العالم، وأصبحت مصدر إلهام لكل الأحرار في العالم ،وفي ظل هذه المشاعر الجياشة والمتدفقة التي تلف الشباب المصري وتجعله يتألق وطنية وإخلاصا لمصر الحرة والمستقلة، أهمس فى أذن شبابنا الأبي ببعض النقاط الهامة حتى نستطيع الإمساك بهذه اللحظة التاريخية النادرة، ونستثمرها في بناء مجتمع قوي متكافل بين أفراده ومتساند بين مؤسساته حريص علي تقدمه .

أولاً: لا تخترعوا العجلة

في هذا الجو الحماسي شرع الشباب في تسجيل  مؤسسات مجتمع مدني جديدة في مجالات النظافة والتعليم والصحة والتنمية، وهذا طبعا أمر محمود ورائع، ولكن أدعو الشباب أولاً قبل إنشاء مؤسسات جديدة أن يستفيدوا من المؤسسات الموجودة في المجتمع ، فعلى الرغم من تعرض المجتمع المصري للقهر والاستبداد خلال الثلاثين عاما الماضية، إلا أنه يمتلك العديد من مؤسسات المجتمع المدني الرائدة علي المستوى المحلي والإقليمي، وفي العديد من المجالات الاجتماعية المختلفة ،وبعضها ما زال يحتاج لتطوير ورفع كفاءة وفتح فروع جديدة، بالإضافة إلى احتياجها بشكل عاجل إلى دماء جديدة شابة ُتسرع المسيرة نحو تحقيق الأهداف الحالمة لهذه المؤسسات ،فينبغي لشبابنا الواعد أن يطور هذا الهيئات الموجود قبل إنشاء مؤسسات جديدة .

ثانياً: كونو مساهمين

لكي يحقق أي مجتمع تقدما ملموساً في مجال من المجالات لابد أن يحصل التعاون والتواصل بين مؤسساته الحكومية والأهلية، والتشريعية ، فالقضاء على ظاهرة سلبية مثل: الأمية، أو زرع قيمة حضارية مثل: الإتقان يتطلب تنسيقاً كاملا بين المدرسة والمسجد  وهيئات الحكم المحلي ودور الفن والمسرح الخ.. من مؤسسات،فينبغي للشباب الممتلئ حماسة وعاطفة أن يدرك أن جهده في مجال من المجالات ما هو إلا مساهمة في إطار جهد عام يسعى من خلال إستراتيجية الشراكه لتحقيق الهدف المقصود، فحملات النظافة التي قام بها الشباب في العديد من الأماكن كان لابد لها أن تنسق مع الهيئات الحكومية والمجالس البلدية وخطباء المساجد ومديري الإدارات التعليمية، وغيرها من المؤسسات من أجل استدامة المشروع وتحوله إلى ثقافة مجتمعيه وليس حدثا احتفالياً مؤقتاً.

ثالثا: فسألوا به خبيرا

علاج التحديات الاجتماعية من خلال المنظمات الأهلي، أصبح علما قائما له خبراءه ومؤسساته العالمية التي تقدم الدعم والمشورة، وتوفر كل جديد فيه، ولذلك أنصح كل مجموعة واعدة من شباب وفتيات مصر قبل الشروع في بناء مؤسسة جديدة أن يتواصلوا مع بعض هذه المؤسسات التي تقدم لهم الخبرة والمهارة من أجل بداية صحيحة تتوفر لها مقومات الدوام والإنجاز ،وفي هذا الإطار انصح الشباب بالتواصل مع الشبكة العربية للمنظمات الأهلية التي تقدم دراسات وتدريب وخدمات نوعية في هذا المجال.

رابعا: امتلكوا نظرة النسور

عندما تحلق النسور أعلى الغابة ترى مجمل تفاصيلها وتدرك معظم معالمها، وتعرف مكامن التهديد وساحات الأمان ، وهكذا ينبغي لنا أن نمتلك هذه النظرة عندما نفكر في معالجة مشاكل المجتمع، فعند رغبتكم في علاج مشكلة محددة مثل: ظاهرة الأمية ينبغي رصد المشهد الكلي للظاهرة أولاً من حيث عدد الأميين، أماكن تركزهم، ومهنهم ،وطبيعة العلاقة بينهم،  ثم تحددوا دوركم في معالجة الظاهرة سلفاً، هل ينحصر في العلاج المؤقت للظاهرة؟؟ والذي قد يتمثل في تعليم مجموعة من الأميين فقط ؟ أم أنه سيكون دوراستراتيجي يهدف إلى القضاء على الظاهرة من جذورها؟؟ 

وأنا أنصح شبابنا الواعد أن يتجه نحو التفكير المستقبلي الذي يعالج الظواهر من جذورها عبر البحث العميق عن أسباب نشأتها والتنسيق الوثيق بين المؤسسات المهتمة والتحفيز المبدع لتجاوز التحديات .

وعند هذه النقطة الرابعة نكون قد وضعنا اللبنة الأولى في مسار بناء مؤسسات شابة وواعدة تتجاوز ثقل الماضي وترقب بشائر المستقبل، ولقد حاولت فيما تقدم ترشيد العواطف الجياشة نحو مصرنا الحبيبة حتى تصب في نهر بناء مجتمع مدني قوي دائم الازدهار والتقدم من خلال أربع من محطات فكرية تمثلت في:

-  ضرورة البناء على جهود الآخرين فليس ضروريا أن نخترع العجلة.

- عبر فلسفة المساهمة والشراكة نستطيع مضاعفة الثمار والنتائج.

- سؤال الخبراء أول مؤشرات النجاح. 

-   توجيه الجهود نحو العلاج الجذري لمشاكل مصر الاجتماعية  مطلب استراتيجي .