خواطر حول الثورات الجديدة

صورة د.جاسم سلطان

لا يدّعي أحد أنه صانع الثورات في المنطقة العربية، فالثورة حدث تتضافر من أجل حدوثه ظروف كثيرة. وأتذكر كتابا فرنسيا قرأته في الثمانينيات ينتهي بخلاصة كبرى تقول: الثورات يصنعها فشل الحكومات، وتقوم بها الشعوب، وتستفيد منها القوى المنظمة.

وفي ضوء هذا النسق يمكن الحديث عن ثلاث مراحل للثورات.

مرحلة التحضير

وفيها يكون دور الحكومات هو الأساس، حيث إن متخذ القرار في السياسة والاقتصاد والاجتماع والإعلام والتعليم يفقد الرؤية والإحساس بالمجتمع وهمومه

، ويلجأ من أجل علاج أوجاع المجتمع إلى عصي الأمن، فيتولد فشل اجتماعي وقهر سياسي ضاغط، ومع انتشار التعليم وزيادة متطلبات الشباب في العمل والحرية تتولد ظروف الخميرة الصالحة للثورة.

في هذه المرحلة تظهر الفئات المناضلة وتجرب حلولها سواء عن طريق النصيحة أو العمل الاجتماعي والسياسي المناهض أو عن طريق محاولات الانقلابات، أو العنف والعمل المسلح. ويُخيّل للدولة أنها عبر العلاج الأمني ستقدر على ضبط حركة المجتمع، فتتضخم آلة القمع وتزداد حالات الاحتقان ويصل الجميع إلى طريق مسدود، وينتشر اليأس وتشيع حالة سلبية في المجتمع وبالتالي تراوح الأمور في مكانها.

في هذه المرحلة تعجز القوى التقليدية عن مغادرة أفكارها وتجرب الحلول ذاتها التي فشلت طورا بعد طور وتغلق الفضاء على أي مقاربات جديدة، إما بسبب تجربتها السالبة أو بسبب الانغلاق على الأفكار القديمة، ومع مرحلة الانسداد تبرز قوى جديدة على الساحة.

مرحلة الفضاء الجديد

وهنا تبرز قوى من خارج الأطر التقليدية أو منفكة عن هيمنتها كأفراد متمردين بدرجة من الدرجات، وتبحث عن مقاربات جديدة، وتتزود بثقافة جديدة، وتسهم التطورات الحادثة في مجال التكنولوجيا والإعلام والتعليم في تسريع بناء الفضاء الجديد. وهنا يلعب موفرو الفكر الجديد والمخيال الجديد دورا كبيرا في تحرير الأفكار عند الشريحة الأولى المتمردة على الإطار التقليدي... والفضاء الجديد يسمح بسبب عدم تأطره بمقاربات مختلفة للمشهد.

واحدة من هذه المقاربات المفجرة للخيال والمعبرة عن درجة القهر الجاثم على المجتمع، والتي تمس ضمير ومشاعر هذه الشريحة النوعية الجديدة، تصبح نقطة استقطاب كبرى، وتصبح صاعق التفجير لكل مشاعر الاستياء والغضب (البوعزيزي أو خالد سعيد كنموذجين) حيث يمثل لهذه الشريحة صورة للتماهي معها.

وعندها تصبح عملية الدعوة للثورة مكتملة الأركان، وتحتاج لبطل المرحلة أو أبطالها أو فاتحي الزمن الجديد. ثم تأتي الدعوة للترتيب من أجل الخروج الكبير وتشكيل فضاء أولي لنوع الشعارات ونوع السياسات التي تضمن النجاح للثورة مع فضاء ضخم للتطوير يتشكل بحسب تداعي الأحداث...هنا لا يأخذ الثوار أية ضمانات إضافية بل يتحملون مخاطرة القيام والفشل، بينما تحجم القوى التقليدية عن المشاركة الصريحة لأنها تضع حسابات الربح والخسارة، باعتبار أن هناك ما تخسره وباعتبار تجربتها السلبية التاريخية.

وحين تندلع الثورة تكون مفتوحة على كل الاحتمالات، يشترك فيها الأكثر تحررا من سلطة القديم، وينكسر حاجز الخوف وتصبح القوى التقليدية على المحك...هل تنضم لركب الثورة صراحة أم تتأخر، فيفوتها القطار؟

وتنقسم الآراء، فتمسك العصي من المنتصف، ثم شيئا فشيئا تترجح لديها فرصة الفوز، فتزيد من جرأتها وتبدأ في توظيف بنيتها في خدمة الثورة، وتتنازل عن تفردها القديم بالمشهد، لترضى أخيرا بدور الشريك وتنجح الثورة.

مرحلة ما بعد انتزاع النصر الأولي

في هذه المرحلة تتولد حيوية جديدة في المجتمع، ويسارع الجميع إلى قطف ثمار الحدث، ويصبح أمام القوى التقليدية متسع من القول والمبادرات لأنها هي التي تمتلك الكوادر الحزبية، وتسعى القوى الجديدة لتنظيم نفسها من أجل المحافظة على ما تعتقد أنه المسار الأصلي للثورة ...وهي مرحلة يحاول فيها الجميع تضخيم دوره في الثورة حتى يوفر الغطاء النفسي لكوادره في مواجهة احتياجات المستقبل، ولمنع المساءلة عن الماضي، وهي مرحلة طبيعية في مسار الثورات.

وعادة ما تكون الأحزاب التقليدية بطيئة في المراجعات وفي التغيير، وتكتفي بتغييرات شكلية مراهنة على القديم باعتباره ضمانة للمستقبل، كما تبدأ القوى الجديدة بالتشكل ودخول مرحلة تجريب جديدة وتتشظى حول السياسة بعد أن تجمعت في الثورة، مما يتيح للأحزاب التقليدية قطف الثمار بسهولة ويسر ... السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل سيحدث هذا السيناريو في مصر وتونس؟ وهل ستنجح القوى الشبابية في التجمع حول مشروع نهضوي في تونس ومصر كما تجمعت على الثورة، وبالتالي يتم إنتاج مجتمع جديد بقوى جديدة؟

التعليقات

صورة abdelkader

نصائح قيمة و مباشرة شكرا للدكتور و سنسعى لنشر المقال اوسع نشر ممكن ...

صورة وليد الياسين

"وتتشظى حول السياسة بعد أن تجمعت في الثورة "
ما أسباب هذا التشظي ؟ وكيف نتجنبه ؟ وكيف نعالجه إذا وقع ؟
وذلك حتى تكتمل الصورة ، حفظك الله ورعاك .

صورة مجهول

لأهمية المقال وترشيده للوعي العام في ليبيا عموما وفي الحراك السياسي في بنغازي اطلب منكم السماح بنشر المقال في صحيفة محلية في مدينة بنغازي  

صورة admin

بكل سرور مع ذكر المصدر إن أمكن ..أهلا بك.

صورة Rhodes26

Fake Tag Heuer Let us encounter it you are shopping for an item that is inside a authorized gray location so do not count on every person to be as pure because the driven snow Fake Tag Heuer Watches Replica Rolex Watches Replica Rolex Watches for sale . Makers of fake Rolex watches run the gamut from back alley hackers to classy Swiss factories making use of Swiss produced components Fake Tag Heuer Watches . Fake Tag Heuer Watches You can find 3 classes of faux Rolex watches Fake Hublot Watches :