مفهوم السنن الكونية

صورة د.جاسم سلطان

سألت صديقا عن قرار كبير اتخذه، وعواقبه كبيرة، وهو غير جاهز لتحمل تبعاته وليس مضطرا له ، فقال: الناس تعتمد على العالم المادي، ولكن هناك مفهوم الإيمان والثقة بالله، وهو يغيب عن الكثيرين .

سألته هل تقصد الإيمان بالمعجزة والكرامة؟ وأننا بناء على الإيمان بالمعجزة والكرامة سنهمل عالم الأسباب، وما عهده البشر من نظر وحيطة وإعداد وحسن توقيت ؟ قال: لا... أنا أقصد الأخذ بالسنن الكونية، ولا أقصد التخطيط بناء على توقع المعجزة.

قلت له: أربكتني بالمقولة الأولى! فما فهمته أن سؤالي عن تقدير العواقب واستيفاء شروط نجاح الفعل

، والاستعداد للنتائج المترتبة عليه، واختيار التوقيت الأمثل للإنفاذ، كان يعني أني من الناس الذين أسائوا في فهم معنى الإيمان والثقة بالله، وبالتالي فسؤالي خطأ حين سألتك عن تقدير العواقب وحسن الاستعداد. ويبدو أننا متفقون على أن الإيمان بحدوث المعجزات والكرامات لا يعني أن نبني قراراتنا على حدوثها، ولا بد أن هناك مشكلة بيننا في تعريف السنن الكونية! 

قلت: هل تشرح لي مفهوم السنن الكونية عندك فنكون أقرب لفهم بعضنا؟

قال: السنن الكونية هي ما أودعه الله في الكون من أسباب وقوانين لا تحابي أحدا، ولا تتغير ولا تتبدل، يبني عليها الإنسان أمور معيشته ، فبها نسّير أمور حياتنا، وبها يثق الإنسان أنه إن أطلق مركبة من الأرض لتلتحم بمركبة في الفضاء فبعالم الأسباب ستلتحم بأختها في التوقيت المرسوم، وأن أرواح من عليها من البشر ستصان في حدود ما يستطيعه الإنسان من دقة، وأن أي خطأ هو بسبب سوء تقدير من طرف من وضع الخطة أو بسبب مانع من جنس الأسباب حال دون تحققه ، وأنه لو لم تنجح الرحلة سنعود لدراسة عالم الأسباب لنكتشف الخلل ونعيد الكرة بعد معرفته.

قلت: على ذلك تقوم علوم الإنسان. ولكن أين تدخل العناية الإلهية والرحمة والعون لو كنا سنعتمد على عالم الأسباب فقط ؟

قال: نحن نأخذ بعالم الأسباب بكل دقة ولكننا نعتمد على الله ، والفارق كبير بين الأخذ بالأسباب بدقة، والاعتماد على الأسباب ، فالأخذ بالأسباب يوجبه العقل والنقل وهو الفارق بين التوكل والتواكل ، أما الاعتماد على الأسباب فتعني أن يدخل الإنسان في اليأس حين تنقطع الأسباب، فها هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -  يأخذ بالأسباب كلها في هجرته فيخفي أمره عن الناس، ويجعل عليا ينام في مكانه، ويعد الراحلة ،ويختار رفقة الطريق، ويعد من يزودهم بالطعام ،ومن يمحي آثارهم عن الأعين، ومن يأتيهم بالأخبار، ويختار طريقا معاكسا لوجهته الأصلية، ويختبئ عن عيون خصومه في الغار، يفعل كل ما هو من عالم الأسباب المنظورة وهو المؤيد بالوحي، ولكن حين انقطعت الأسباب وافتقد الحيلة وأصبح القوم على بعد خطوة منه قال قولته المشهورة لأبي بكر " ما ظنك باثنين الله ثالثهما" هذا هو الفرق بين الأخذ بالأسباب وبين الاعتماد على الأسباب.

والثقة بالله تعطي المؤمن هذه القوة الروحية الهائلة والقدرة على مواجهة ما هو خارج طاقته ووسعه، فهو حين يستشعر وجودا إلهيا رحيما معينا له وهو يواجه صعوبات الحياة، ويثق بأن الله يتدخل بحكمته متى شاء تتكامل عنده أسباب القوة  المادية والمعنوية فلا ييأس ولا يهون.

قلت: وهذا توضيح جميل وهو يقول لنا رسائل كبرى:

- الإنسان يبني قراراته في الدنيا على عالم الأسباب الظاهرة مجتهدا وسعه، وهي ما يسع الإنسان أن يدرسه بما أعطاه الله من عقل وحواس .

- الإنسان يثق أن الله قادر على التدخل متى شاء .

- عندما تنقطع الأسباب لا ييأس المؤمن لأنه على ثقة بالله .

قال: صحيح.

قلت: بقي في خاطري شيء من قولك الأول ، فأنا سألتك عن عدم تطبيقك لهذه المفاهيم الراقية، وأنت تحسب حساباتك في قرارك الذي اتخذته ، فأين عالم الأسباب الذي حدثتني عنه، وأخذه في الاعتبار عندما اتخذت قرارك؟

التعليقات

صورة abdelkader

بعد احترامي و تقديري لي تعليق يؤكد و قد يثري قليلا في ايصال المعنى ...مجرد رايالسنة الكونية هو مجموعة من السنن الخاصة بعالم الاسباب و عالم الايمان و هو خط سير الكون فاذا فهمنا من خلال قراءة التاريخ خط سير السنة الكونية فسوف نسخر الاسباب في نفس اتجاه السنة الكونية و نحقق هدفنا في الحياة بسهولة اكثر و لكن اذا تركنا عالم الاسباب يسيرنا و سرنا وراءه دون فهم خط سير السنة الكونية فاما يقع صدام تنتصر فيه السنة الكونية او يقع انفصال عن السنة الكونية و نذخل في ركوض او تيه ... فالسنة الكونية مثلا هو التركيب الذي   خلق منه الانسان ... عالم مادة لها قوانينها و عالم  ايمان له قوانينه و تحدث المعجزة عندما يخرق قسم عالم الايمان قوانين قسم عالم المادة فالمعجزة جزء من السنة الكونية فياءتي النّصر  الخارق لسنة عالم الاسباب المعجزة كسنة كونية من قسم عالم الايمان ... فالاخذ بالاسباب هو تسليم و رضى واجتهاد و الايمان هو توجيه للاسباب و دفعها الى اقصى درجاتها لتذخل الى عالم تحكم الايمان ... فالسنة الكونية هي خط سير الكون ...فالى اين يسير الكون بمادته و ايمانه؟

صورة Mena

 ارى اننا مهما اعملنا عقولنا او اخذنا بالاسباب ومع احترام السنن الكونية فان ارادتنا تتحكم فيها ارادة الله ونحن لا ارادة لنا فيما نجتهد فيه من اعمال عقل او اخذا باسباب حيث ان الكل يدور فى فلك الارادة الالهية التى تقدر المقادير قبل خلق الانسان ومعلوم فى اللوح المحفوظ ما كان وما يكون ولو ان لاجتهادنا معنى فلأننا منحنا العقل والجوارح لنستعملها لا لنعطلها وبقوانين الكونية التى سخرها الله لنا ليختبرنا ويلزمنا بالحجة ... عندما نحسن او نسيئ.. وخلاصة فهمى اننا لا نملك حتى جهد التفكير فى السعى او الاخذ بالاسباب انما هو توفيق الله وفقط.. والمهتدى من هدى الله 

صورة مجهول

 
مع تقديري واحترامي لشخصك المستسلم لله ويقيني بفرضية الاستسلام لله ولمشيئته وإيماني الجازم أن كل ما يجري في هذا الكون هو بتدبير الله سبحانه وتعالى ولا شيء خارج عن ذلك البتة في أي مكان وأي زمان ، فإني أردت توضيح مسألة تقبلها مني وأرجو أن تصل إلى صميم قلبك فإني والله ما أردت إلا الحق ووجه الله فأقول بكل احترام وأدب من منطلق دراستي :
   فإن مشيئة الله وإرادته سبحانه تنقسم (علميا) إلى قسمين : إرادة كونية عامة ، وإرادة شرعية خاصة ، فكل ما كتبته أنت تقريبا يدخل تحت الإرادة العامة باستثناء بعض العبارات ، ولكن لا يعني ذلك أنه لا إرادة للعبد ولا اختيار وأنه مجبر على ما يصنع إنما هو حاصل بسبق علم الله وإحاطته ومشيئته باختيار العبد ، كيف ذلك ؟ مثلا : عندما تختار ثوبا تلبسه هل تحس أنك آلة تفتح الخزانة وتخرج ثوبا معينا أم أنك تختار ؟ مثال آخر هب أني صفعتك على وجهك هل أنا مجبر على فعل ذلك وهل تبرر لي ذلك أم أني اخترت ؟ إذن كل ذلك حاصل بسبق علم الله لما سأفعله ، فقدره وكتبه عنده (دون إكراه أو إجبار) كيف وهو القائل سبحانه : ( لا إكراه ) وإلا فإنه لا عبرة للحساب والعقاب والجزاء وسيكون ربا ظالما سبحانه تعالى عن ذلك لو أجبرنا وحاسبنا وعاقبنا .
وهنا تأتي الإرادة الشرعية الخاصة : وهي ما تكون للمؤمنين من توفيق وفلاح ورعاية خاصة لعباده المؤمنين الذي اختاروا عبودية الله رغبة ورهبة منه بناء على قوله ( وهديناه النجدين ) فيأتيهم من الحفظ والرعاية والتيسير والهداية ما لا يكون لغيرهم كقوله ( إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) فهم اختاروا التقوى ، فقدر لهم الهداية الخاصة بأنهم تذكروا وانتبهوا ، ليس كغيرهم ممن أوكلوا إلى أنفسهم .
والخاصة داخلة في العامة ولا تعارض .
الخلاصة : أن مشيئة الله نافذة وهو سبحانه الوحيد الذي لا يجري في ملكوته إلا ما شاءه ، دون إكراه ولا إجبار مع اختيار العبد ، فمن اختار الكفر والضلال فقد قدره الله بسابق علمه وكتبه لما سيختاره العبد بنفسه ولا يعني ذلك أنه شاءه وأحبه  كما هي المشيئة الخاصة 
 

صورة babahida

يقول الرسول الكريم عليه أزكى الصلاة و أزكى التسليم :إعقلها و توكل:   "إعقلها" معناه الاخذ بالأسباب الكونية المادية، و"توكل" اي انه بدون الرجوع إلى مسبب الأسباب و واضع هذه القوانين المنظمة للكون، يضيع الإنسان المسلم بين "أسبابه" و "نتائجه".   

صورة مجهول

مع تقديري واحترامي لشخصك المستسلم لله ويقيني بفرضية الاستسلام لله ولمشيئته وإيماني الجازم أن كل ما يجري في هذا الكون هو بتدبير الله سبحانه وتعالى ولا شيء خارج عن ذلك البتة في أي مكان وأي زمان ، فإني أردت توضيح مسألة تقبلها مني وأرجو أن تصل إلى صميم قلبك فإني والله ما أردت إلا الحق ووجه الله فأقول بكل احترام وأدب من منطلق دراستي :
   فإن مشيئة الله وإرادته سبحانه تنقسم (علميا) إلى قسمين : إرادة كونية عامة ، وإرادة شرعية خاصة ، فكل ما كتبته أنت تقريبا يدخل تحت الإرادة العامة باستثناء بعض العبارات ، ولكن لا يعني ذلك أنه لا إرادة للعبد ولا اختيار وأنه مجبر على ما يصنع إنما هو حاصل بسبق علم الله وإحاطته ومشيئته باختيار العبد ، كيف ذلك ؟ مثلا : عندما تختار ثوبا تلبسه هل تحس أنك آلة تفتح الخزانة وتخرج ثوبا معينا أم أنك تختار ؟ مثال آخر هب أني صفعتك على وجهك هل أنا مجبر على فعل ذلك وهل تبرر لي ذلك أم أني اخترت ؟ إذن كل ذلك حاصل بسبق علم الله لما سأفعله ، فقدره وكتبه عنده (دون إكراه أو إجبار) كيف وهو القائل سبحانه : ( لا إكراه ) وإلا فإنه لا عبرة للحساب والعقاب والجزاء وسيكون ربا ظالما سبحانه تعالى عن ذلك لو أجبرنا وحاسبنا وعاقبنا .
وهنا تأتي الإرادة الشرعية الخاصة : وهي ما تكون للمؤمنين من توفيق وفلاح ورعاية خاصة لعباده المؤمنين الذي اختاروا عبودية الله رغبة ورهبة منه بناء على قوله ( وهديناه النجدين ) فيأتيهم من الحفظ والرعاية والتيسير والهداية ما لا يكون لغيرهم كقوله ( إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) فهم اختاروا التقوى ، فقدر لهم الهداية الخاصة بأنهم تذكروا وانتبهوا ، ليس كغيرهم ممن أوكلوا إلى أنفسهم .
والخاصة داخلة في العامة ولا تعارض .
الخلاصة : أن مشيئة الله نافذة وهو سبحانه الوحيد الذي لا يجري في ملكوته إلا ما شاءه ، دون إكراه ولا إجبار مع اختيار العبد ، فمن اختار الكفر والضلال فقد قدره الله بسابق علمه وكتبه لما سيختاره العبد بنفسه ولا يعني ذلك أنه شاءه وأحبه  كما هي المشيئة الخاصة .ة