ماكيافيللي والجناية التاريخية لأفكاره

صورة admin

اقترن اسم ماكيافيللي دوما بالسمعة السئية. وبات وصف المرء بالماكيافيللية يوازي اتهامه بالمكر الذي لا يعرف حدا. و "ماكيافيل" هو أحد شياطين الدرامة الأوروبية ، وأحيانا يغدو رديفا لإبليس بالذات.

ولد نيكولو ماكيافيللي في ١٤١٩ ومات في ١٥٢٧ ، وكان وزيرا للدولة وديبلوماسيا في حكومة البندقية. وقد وضع عدة كتب  بينها "الخطب والمقالات" و "تاريخ البندقية" ، والمقالة القصيرة السيئة الصيت (الأمير).

وكان كتابه الأمير وهو الذي بات الأكثر شيوعا بين مؤلفاته مبعث هذا الصيت الشرير. والمفارقة الكبيرة أن هذا الكتاب من بين كل مؤلفاته يقدم أقل قدرا من التعبير عن حقيقة أفكاره. وكان أن  تعددت النظريات التي وُضعت لتفسير حقيقة ما عنى بالأمير. ورغم هذا التعدد في النظريات فقد أجمع الدارسون على أمر واحد ، وهو أن ماكافيللي الحقيقي، أيا كان تأثيره السيئ ليس هو بالشخص الشرير الذي صورته تقاليد العامه. وللتأكد من ذلك تكفي قراءة كتبه التي أعارها هو الأهمية الكبرى، أعني الكتب والمقالات وتاريخ البندقية.

إن قراءة هذه الكتب توضح بما لا يقبل الريب أن ماكيافيللي كان أبعد ما يكون عن التفلت من المناقب والدين أو الدفاع عن الطغيان الملكي. على أن قرأتها تظهر ماكيافيللي على حقيقته ، جمهوريا وإنسانيا مندفعا، وأن ماكيافيللي ، ولو أنكر بعض المعجبين به حقه في أن يوصف بالفيلسوف ، كان مبدعا أصيلا في النظرية السياسية. وهو ، شأنه شأن أعظم المؤلفين في موضوع الفكر السياسي ، فقد طرح عقيدة تثير الجدل كما طرح نظرية لشرحها.

وكان ماكيافيللي على العموم ذا نظرة مناقبية فضلا عن كونه عالما مدققا. ويصعب التقرير في مدى مسؤليته عن أن يأتي تأثيره على صعيد الأخلاق ، في اتجاه معاكس لرغبته الأصيلة بالذات.

والحقيقة أنه لم يكن ضد الدين لكنه كان ضد المسيحية.

ومن المفارقات في هذا الصدد أنه كان ضد المسيحية انطلاقا من أسس مناقبية ، إذ اعتبر أنها لم تعلّم ولا رعت "الفضائل" كما فهمها.

وكان ماكافيللي دون ريب "واقعيا" ، بمعنى أنه شدد دوما على ما اعتبره حقائق عن الطبيعة الإنسانية والمجتمعات السياسية، مهما ابتعدت هذه الحقائق عن التملق. وأن ميوله الجمهورية لم تكن محاكاة لذلك المجتمع السياسي المركانتيلي الذي كان يراه في البندقية، بل على نقيض ذلك كانت ميوله تنبع من  رغبة في احياء نمط جمهوري استهواه عند قراءته كتب التاريخ لا سيما تاريخ روما القديم.

وكان ماكيافيللي مفكرا سياسيا مبكرا ، وقد قام اعتقاده على أن قواعد السلوك الإنساني يمكن استنباطها من الاختبار ، مؤملا استخدام هذه العبر لأغراض نبيلة، مثل خلق جمهورية في ايطاليا المعاصرة تحاكي روما القديمة في مجدها.

وقد عاصر ماكيافيللي الشاب وهو بعد موظف صغير في الادارة ، سافونارولا الذي حاول انشاء جمهورية مثالية على نمط آخر في البندقية. وكان سافونارولا مسيحيا مثاليا من "البيورتان" المتشددين في إيمانهم وممارساتهم، وحاول أن يجعل البندقية جمهورية الفضيلة التي تسودها الأخلاق والإحسان والعمل الصالح، متوسلا لتحقيق ذلك نظاما من الرقابة والضوابط الاقتصادية.

ونجح سافورنارولا نجاحا كبيرا إلا أن سلطانه اعتمد أكثر مما أدرك هو بالذات على شهرته في المقدرة السحرية. فكان أنه لم رفض إنجاز أعجوبة من أعاجيبه انقلب شعب البندقية عليه وآماته حرقا على الوتد.

وكانت لماكيافيللي الشاب البالغ الثامنة والعشرين من عمره يومها عبر متعددة من موت سافورنارولا انعكست على نشاطاته وأفعاله. أولا: أيقظ سقوط سافورنارولا في نفسه وعيا حادا جدا بعدم فعالية "النبي الأعزل من السلاح"، وبوجوب اعتماد السياسية على السيف فضلا عن الكلمة أو بتعبير أوضح وأكثر انسجاما مع تعابير ماكافيللي الذي كان يمقت العبارات الملطّفة المخففة لمعاني الأشياء كالسيف مثلا وجوب اعتماد السياسية على العنف.

وثانيا: تركت خبرة سافورنارولا المقدسة في نفس ماكافيللي نفورا أشد من ذي قبل من المسيحية روحا ومعتقدا ، وكمؤسسة دينية تجسدها الكنيسة.

وكان ماكيافيللي واحدا من كثيرين اعتبروا فساد الباباوات والكرادلة المفضوح مضرا بمصلحة ايطاليا وخيرها وأخلاقها. كما أنه لم يكن الوطني الايطالي الوحيد المعترض على البابوية على أسس وطنية، باعتبار أن البابا كان أضعف من أن يوحد ايطاليا تحت زعامته ، مع كونه في الوقت نفسه في وضع من القوة يمكنه من الحيلولة دون توحيد ايطاليا تحت اي زعامة آخرى.

إلا أن معارضة ماكيافيللي للكنيسة كانت أكثر عمقا وجذرية من أي من هذين الاعتراضين . ذلك بأنه في الواقع لم يكن يأبه كثيرا بفسق  أمراء الكنيسة، بل كان اعتراضه الحقيقي موجها الى المسيحية الصافية غير المفسدة التي كان يدافع عنها رجال أمناء صادقون من أمثال سافورنارولا. فماكيافيللي كان يعتقد أن المسيحية -في أحسن أحوالها تعلم فضائل مغلوطة. فقد كانت تعلم بحسب رأيه الخضوع والذل والانكسار ، وإعطاء الخد الآخر للطم، ثم حصر أمل الإنسان بالفرح والسعادة في ما بعد الموت.

وكانت فكرة ماكيافيللي عن الفضيلة على نقيض كلي مع المناقب المسيحية. فقد كان سيتوحي نبل الإنسان ومجد الحياة على الأرض، وكان يعتقد أن هذا النبل يعبر عنه ليس في إذلال النفس بل في الاعتزاز الفخور، وليس في معاناة الأذى والصبر عليه ، بل في رفضه والانتقام له، وليس في الاماته بل في الشجاعة ، وليس في الصلاة بل في العمل. وبدل لف الجسد بالأسمال والزحف إلى مناسك كأنها أوجار القردة ، رأي ماكافيللي الفضيلة في لبس دروع الحرب والإعزاز بالنضارة والشجاعة البطولة وعظمة الإنسان ومجده.

ذلك كان ما عناه ماكيافيللي بالإنسان  - المثال. وكان هذا كل ما خطر له عندما تحدث عن الفضيلة ، ونظرا الى أنه كان كالآخرين من معاصريه يعتقد أن ائتلاف الدين والدنيا أمر مفروض ، فقد عقد الأمل على أن ينتصر في ايطاليا القرن السادس عشر نمطه الجمهوري بعد التخلي عن المسيحية كديانة تجاوزها العصر، فيزرع مكانها ديانة ومؤسسات دينية مرتكزة على روح روما القديمة ، أي ديانة زمنية يكون غرضها الأساسي تعزيز مشاعر وفضائل وطنية. تلك كانت رؤى ماكافيلليي - وهي رؤى بطريقتها الخاصة ، مثالية شأن رؤى سافورنارولا.

إلا أن مثال ماكيافيللي قد صححه حسه بالممكن السياسي، وهو حس نمّته خبرة عمره في الخدمة المدنية. وهنا تقوم المقارنة بين مثاله وحسه العملي على عدد من المفارقات. فرؤى ماكافيللي عن المجد الجمهوري هي رؤى سامقة لها تطلعاتها البعيدة ، بينما فكرته عما هو معقول سياسيا بالغة الحذر. ففي رأيه أن الشكل الجمهوري للحكم لا بد أن تمهد لقيامه أهلية الشعب للحياة الجمهورية وسويته المناقبية. وهذا في رأيه لم يكن متوفرا في معاصريه ولا يمكن جعلهم مؤهلين لذلك في وقت قصير. إن الطابع الرئيسي للحياة الجمهورية هو الحرية، ولكن من الخطر في رأي ماكافيللي إعطاء الحرية فجأة للناس وهم غير معتادين عليها "نظرا إلى أن مثلا هؤلاء البشر لا يختلفون أساسا عن البهائم المتوحشة التي وإن كانت بطبيعتها شرسة ومعتادة على حيلة الغاب ، فإنها بعد الأسر والعبودية إذا أُطلق سراحها وأخذت تجوب الريف بإرادتها تصبح بعد أن تكون فقدت عادتها في البحث عن طعامها الخاص، ولم تعد تجد مكانا تأوي إليه فريسة أول قادم يريد تقييدها من جديد" .

إلا أنه لا يجوز القفز إلى الاستنتاج – انطلاقا من هذه الفقرة – أن ماكافيللي معارض دائم للأساليب الثورية. ذلك بأنه كان يعتقد أنه في حالات معينة تغدو الثورة العنيفة الطريق السليم لإقامة الجمهورية. وهو يبدي في هذه الصدد بعض الملاحظات حول ضرورة العنف.

فهو يقول مثلا أن من الأهمية بمكان كبير أن يعمد الثوار في أوج المعركة الثورية وبسرعة إلى قتل جميع أعداء الثورة الفعليين والممكنين. ويقول حرفيا بهذا الصدد:

"إن حكومة دولة حرّة تألفت حديثا تثير ردود فعل الجماعات العدوة لا الصديقة. فإذا أراد الحاكم أن يعالج هذه الصعوبات وأن يداوي الاضطرابات التي سبّبها، فليس أمامه من طريق أفضل وأضمن وأسلم أو أشد إلحاحا ، من قتل جميع أبناء بروتس".

ويقول ماكافيللي أنه عنى بعبارة "أبناء بروتس" جميع الذين يفضلون العيش في ظل الملكية على الجمهورية ، والذين يعتبرون "حرية الشعب " مرادفة للعبودية. أن هذا الذي يبديه ماكافيللي حول موجبات العنف الثوري لا يعني أنه ينتشي بفكرة حمام الدم ويرغب فيها ، فهو ليس كذلك.

 ان فكرته تتلخص في أنه إذا لكم يبادر الثوار إلى قتل جميع أعداء الجمهورية حالا وبعملية واحدة سريعة فعليهم حين ذاك مواجهة سيل لا ينتهي من التطهيرات والمحاكمات.

ان اتّباع هذا النهج لا يؤدي إلى اتخاذ أسلوب أقل فعالية فحسب، بل إلى تقويض مناقب الدولة ومناخ الثقة والهدوء فيها. وبرغم أن ماكيافللي يشدد على ضرورة العنف ويعتقد بوجودب ارتكاز الدولة عليه إلا أنه شخصيا لا يودّه ولا يرغب في أكثر من القدر الأقل منه والضروري لسلامة الدولة. وان عزوفه عن الاعتماد الكلي على العنف هو الذي يجعله يدعو في مكان آخر إلى اعتماد الحيلة والخداع وتفضيلهما على العنف والقوة. فهو يفضل الديبلوماسية ، مهما كانت أساليبها ماكرة ، على الحرب. ذلك لأن الحرب تجلب الموت والألم والاجتياح فضلا عن إمكانية الهزيمة أيضا.

إلا أن مقت ماكيافيللي للحروب يقترن بمفارقة عجيبة ، هي ولعه بالحياة العسكرية . ذلك بأن رؤى ماكيافيللي للمجد تستوحي مثال روما وصورتها، والفضائل التي يمتدح هي تلك التي تظهر أجلى ما يكون بالحياة العسكرية. ويؤدي هذا التمجيد للحياة العسكرية إلى التنديد بمؤسسة الجيوش المرتزقة – التي كانت شائعة في ايطاليا أيامه فيدعو إلى إنشاء الجيوش القومية المحترفة. ويعتقد ماكيافيللي أن الجيش القومي يؤدي دورا شبيها بدور الديانة القومية، فيذكي في الشعب روحا وطنية، وشجاعة واعتزار ورجولة. ويكاد المرء يعتقد بالنتيجة ، أن ماكيافيللي يسعى وراء كل أمجاد السلاح مع إصراره على تجنب آلام الحرب الفعلية.

ولا يستطيع ماكيافيلي أن يفصل تصوره عن المجد عن فكرة الفتوحات.

من هنا أن جيوش الكانتونات السويسرية الدفاعية لا تهزه. وهكذا تتحول ميوله الجمهورية الى إمبريالية . فهو يدعو الجمهورية الى توسيع حدودها مع أن مثل هذه الدعوة لو شملت كل الجمهوريات لحملت في ذاتها تناقضا منطقيا جوهريا، اذ كيف يبقى بعد ذلك أثر للسلام وهو ضالة ماكيافيللي المنشودة؟

وقد أخذ ماكيافيللي ، في سياق اهتماماته ونشاطاته كمفكر سياسي، يكتشف مثل هذه القوانين العالمية الشاملة. واعتبر نفسه غاليلو علم السياسية، من حيث أنه يقترح، أسلوبا جديدا في فهم كيفية سير المجتمعات السياسية خلال المراقبة ، ولا سيما الظاهرات المطّردة التي يكشفها التاريخ.

إلا أن ماكيافيللي لم يكن يعتقد أن بإمكانه التنبؤ بتاريخ البشرية المقبل كما تنبأ غاليلو بحركات الكواكب السيّارة المقبلة. ولم يكن مقصده بعيدا عما قصد إليه ماركس بعد قرون تلت: السيطرة على المستقبل وتسييره، وكسب قوى جديدة في السياسية نتيجة المعرفة بقوانين التاريخ. إلا أن ماركس خلافا لأسلوب ماكيافيللي الأقرب إلى أسلوب مزارع يسيطر على الطبيعة بمعرفة طرقها ، أضفى على عمليته عظمة تاريخية مميزة.

وكان لدى ماكيافيللي بطبيعة كونه عالما في السياسة ، ما يعلّم الطاغية الرجعي وما ينهل منه مشاركوه في مطامحه الجمهورية. وهو دون ريب قد وضع دروس عمله السياسي في "الأمير" في خدمة حاكم ملكي. أما بأية سخرية أو عبث أو اخلاص أقدم ماكيافيللي على هذا المشروع ، فمسألة تحتمل التخمين والتقدير.

لقد كتب ماكيافيللي "الأمير" في 1513 عندما كان يعيش في المنفى في الريف التوسكاني، بعد نفيه من خدمة دولة البندقية على أساس اتهامه بالاشتراك في مؤامرة جمهورية. وقد وضع الكتاب بصيغة رسالة موجهة الى الأمير المديتشي الحاكم . ولم ينشر الكتاب حين كان المؤلف على قيد الحياة. ولو أنه عرف أنه سينشر في ما بعد لكان أدرك أن الفائدة منه ستذهب ، لأن المفروض أن يقدم الكتاب للأمير سر النجاح الذي إذا انفضح فقد كامل قيمته.

كان ماكيافيللي دون ريب منحرفا. فالكثير مما يقوله يصدم. ولعل أكثر اقتراحاته جسارة- حتى لا نقول إبداعا- هي نظرته القائلة بنفي وجود أخلاقية واحدة (كما علّم الفلاسفة جميعا) ومناداته بوجود أخلاقيتين – الأخلاق السياسية والأخلاق الشخصية. وعلى هذا الأساس يعتبر ماكيافيللي بأن ما يحرّم عن حق على صعيد الأخلاق الشخصية – كالعنف والباطل والكذب ونكث العهود والاتفاقات الخ .. يصبح أحيانا على صعيد الأخلاق السياسية مسموحا به، بل واجبا لبلوغ الهدف. وهذا التمييز بين الأخلاق الشخصية والأخلاق السياسية قد مكن ماكيافيللي من المحافظة على مستوى من الوضوح والصدق فات الذين كانوا مستعدين – بالممارسة - تبني أشد آرائه قسوة، دون الالتزام بها على الصعيد النظري بل وتسفيهها بغضب واستنكار.

ان روبسبير وستالين ، مثلا، في تبرير سياسيتهما الدامية، رفضا الاعتراف بأنهما يقتلان "أبناء بروتس".

فقد اعتبر روبسبير إرهابه "عناية مفرطة" وقلقا مميتا ، بل وصف عصر الإرهاب بأنه "الأخوة في حيز التطبيق" ولم يكن ما حدث ليسمى في نظره "قتلا" على الإطلاق.

وكانت محاكمات ستالين "عدالة الشعب" ، وكان "ثمة تصفيات" ولم "يقتل" أحد. ولو اعتمدت الأخلاقية الواحدة لكان على الحكام السياسيين ، وخصوصا الثوريين منهم لا مجرد الاعتراف بأن سلوكهم هو تحقير للمناقب التي زعموا التمسك بها فحسب ، بل إضافة الرياء كمثلبة جديدة إلى مثالبهم المتعددة.

أن ماكيافيللي يقدم بديلا عقلانيا ، إلا أن الذين اتبعوه قليلون.

ولعلهم بقوا هكذا قليلين، نظرا إلى أن المجاهرة باتباعه يؤدي الى انفصال جذري عن التقاليد المسيحية والهيلينية وهي المؤثرات التي كونت اتجاه العقل الأوروبي.

----------------------------------

الكاتب: آرنستو لاندي.
إعداد : أحمد درويش.

مصادر المقال: 
كتاب أعلام الفكر السياسي