في جذور الاختلاف

صورة د.توفيق السيف

لفترة طويلة شغلت ذهني المقولة الشائعة بين طلبة العلوم الدينية: ''نحن أتباع الدليل حيثما مال نميل''. وظننتها مفتاحا لأسرار الخلاف بين أهل العلم، لكني وجدت نفسي دائما أمام أدلة توافرت لهذا العالم أو ذاك، فلم يأخذ بها ولم يولها أي اهتمام، بينما استدل بها غيره، فخرج هذا بنتيجة، غير التي توصل إليها الآخر. وعلمت لاحقا أن ''المذهب'' و''المدرسة'' يشكلان إطارا شبه قسري لما يقبل أو يترك. لا يعد الدليل معيارا ثابتا ونهائيا، ما لم ينسجم مع المقولات الأساسية للمذهب الذي يتبعه العالم، والمدرسة التي يميل إليها.

شغلتني من ثم مسألة ''المدرسة'': لماذا يتبع هذا العالم مدرسة محددة دون غيرها، بينما يختار غيره مدرسة أخرى؟. قال لي أستاذي يوما إن الإنسان نادرا ما ''يختار'' مدرسته. فهو، في معظم الأحوال، يجد نفسه فيها. وجدت هذه الفكرة أكثر تطرفا عند دانييل ليرنر، المفكر الأمريكي الذي قدم عددا من الأبحاث المرجعية في قضايا التنمية والتحديث في الشرق الأوسط. في كتابه ''موت المجتمع التقليدي'' تحدث ليرنر عن الظروف الجغرافية كمؤثر قوي في تشكيل ذهنية الفرد، وبالتالي ميوله وسلوكه العفوي. ورأى مثلا أن الميل للتشدد الفكري أكثر احتمالا في المجتمعات المنقطعة عن العالم. بخلاف المدن المفتوحة، التي يتعرف ساكنها على هويات مختلفة، ويبني علاقات مع أشخاص لا يعرفهم خارج إطار الوظيفة أو الشراكة التجارية أو الجوار السكني.

أتذكر في هذا الصدد الدراسة القيمة التي نشرها الدكتور سعيد الغامدي بعنوان ''البناء القبلي التحضر في المملكة العربية السعودية''، وهي من الدراسات الاجتماعية النادرة، التي تناولت ظرف الانتقال من اقتصاد الكفاف الزراعي، إلى الاقتصاد النقدي في المملكة. تحدث الدكتور الغامدي عن وصول أول رجل ''غريب'' للإقامة في القرية موضوع الدراسة، وكيف تحول هذا الحدث إلى قضية كبرى، استلزمت نقاشات وبحثا عن حلول، وأثمرت عن تحولات كثيرة في السلوكيات المعتادة في تلك القرية، التي كانت قبلئذ شبه منقطعة عن العالم.

ساعدتني هذه القراءات ومثيلاتها على تفهم أعمق لواقع التنوع والاختلاف بين الناس. ساعدتني على اكتشاف أن اتفاق الناس على منهج واحد ومذهب واحد وأسلوب واحد في العيش، هو حلم مستحيل، بل ربما يكون وسوسة شيطانية. الاختلاف والتنوع جزء من طبيعة العالم. تخريب هذه الطبيعة سيقود، لا محالة، إلى الإضرار بحياة الإنسان. الأحادية من لوازم العزلة. فمن شاء الراحة من الاختلاف، فليعتزل الناس. أما من أراد العيش في العالم الطبيعي، فليتقبل إرادة الله، الذي جعل الناس شعوبا ومشارب ومذاهب، كي يتدافعوا ويتفاعلوا، وبهذا يعمرون الأرض وتزدهر الحياة.

 

مصادر المقال: 
http://www.aleqt.com/2013/09/24/article_788023.html
الكلمات المفتاحية: 

التعليقات

صورة سمر عليوة

الحياة والعيش ليس أرض وهواء وماء، بل أرواح تكامل بعضا لتكن الحيــاة ..!