مسرحية نفاق أهل المدينة

(ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين )

(ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه)

في حقيقة الأمر، نقف هنا مع آخر محطات المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فإنها آخر مقالات هذه السلسلة، متمنيا أن تكون موفقة في طرح أفكار جديدة في النظر إلى القرآن الكريم ككتاب هاد للحركة النهضوية، ولا شك أن القرآن هو المحرك الأساس والإطار المعرفي الحقيقي الذي تتحرك في إطاره نهضة الأمة.

وفي الآية الأولى، نجد أن الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم والمنافقين، وأذنابهم المتربصة من الأعراب، انتقل إلى ساحة أخرى هي ساحة الآخرة وهو العذاب، المرتبط بسلطة أعلى من السلطة النبوية وهي السلطة الإلهية، ذلك أن الصراع قد حسم، ومن تبقى منهم قد خرجوا عن دائرة العلم النبوي وصاروا في إطار الحكم الإلهي وحسب، فقد وقع انتصار النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيت دعائم دولته.

وانتهت فصول مسرحية نفاق أهل المدينة بموت عبد الله بن ابي بن سلول بعد تبوك، وذوت آخر أركان النفاق، وإن بقيت له شرارة يسيرة نلمسها في خطبة للسيدة عائشة رضي الله عنها حول مآثر أبيها الصديق رضي الله عنه، تقول في مجمل وصفها لحالة الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم : ( ونجم النفاق )، أي ظهر النفاق والذي أعتقد انه مرتبط بالأعراب والذين راوغوا ومنعوا الزكاة بعد ذلك وارتد كثير منهم.

الآية الثانية تجلي لنا موقفا غاية في الأهمية، وهو صياغة المدينة النبوية النهائية وهي المدينة المتحدة مع النبي صلى الله عليه وسلم في حلقة واحدة، بحيث لا ينبغي لأهلها أن يتخلفوا عن رسول الله ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن موضع يكون هو فيه، وبالتالي فإن الالتحام لا تنتهي بوفاته صلى الله عليه وسلم، بل تمتد عبر اتباع تشريعاته، وهو ما أكده أبو بكر رضي الله عنه لما وقف أمام النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت فقال : أما الميتة التي كتبت عليك فقد متها، وأما الأخرى فلن تذوقها، فقال السلف إنماعنى أبو بكر موت الشريعة.
إن السلف فهموا مقصد أبي بكر على أنه يعني أن الميتة التي كتبها الله هي الموتة المكتوبة على بني آدم قال تعالى : (إنك ميت وإنكم ميتون)، والموتة الأخرى التي لن يذوقها النبي صلى الله عليه وسلم هي موت
شريعته.

إن اتحاد المدينة مع ذات النبي صلى الله عليه وسلم إنما يعني اتحادها مع تجسيده للقرآن إذ كان خلقه القرآن، ويعني أن المدينة المسلمة لن تخضع لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفس درجة الخضوع، فقد مات صاحب الرسالة تاركا نهجه، ولم يترك أحدا مثله بعده، ومن هنا نفهم التأكيد على ذكر كلمة نفس، تنببيها على فرادة تعلق هذا الارتباط والاتحاد بذات النبي صلى الله عليه وسلم، وليس بمنصب رأس الدولة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رأس دولة معصوما موفقا ومسددا، وهو صاحب الشريعة.

نجد أمامنا هكذا مدنا شتى، المدينة الثمودية التي أسلمها الإسراف لاتباع نزوات الشباب وطيشهم، والمدينة اللوطية التي اتبعت شهواتها حتى فقد الملأ صوابهم وقدرتهم على الحوار، والمدينة الفرعونية وخطايا النفاق والترف، وخطايا الاستبداد والتباعد الطبقي والسحق للفقراء، وحشر الجموع بثقافة القطيع، وجرهم نحو أهداف الفرد، ومدينة أهل الكهف والتي مثلت القهر العقدي والديني، ومدينة العبد الصالح التي مثلت الجشع وأكل حقوق الآخرين ومنع الحق المشروع من جانب آخر، ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وتجاوز عتبة القبيلة نحو الدولة، والقفز على النفاق وتجاوز مرحلته، والوصول إلى المدينة الراشدة.

التعليقات

لو تحطو معلومات ادق شوي بكون

لو تحطو معلومات ادق شوي بكون احسن وخط اكبر عشان نعرف نقرأ

حروب الـردة ... وارتداد الحروب !

السلام عليكم
ان ما ذكر في الاية الكريمة لهـو دليل على النفاق الذي تمثل به بعض اهل المدينة في حياة الرسول
وظهر جليا بعـد موته .. ولا شك بانه كـان مـفيد بحـيث ظهر كل من في الساحة ومن هو جاهز لقتال معـركة الاسلام الحق ضد البـاطل .. !
والنـقطة الثانية : "قد كان النبي صلى الله عليه وسلم رأس دولة معصوما موفقا ومسددا، وهو صاحب الشريعة."
لقد عصمه الله من الخـطـأ وهو نـبي .. امـا نحن البشر فلكي نتمثل بخلقه الكريم عليه السلام
علينـا اتباع ما سار عليه بكـل ما اوتيـنا .. فحفظ كتابه داخل قلوبنـا وتطبيق سنته لهو السبيل الى اقامة الدولة الاسلامية من جديد .. والذي يقـول ان الوطنية والقومية وغيرها هي التي ستعيد الارض والامجاد وما ضاع منهـا هو كلام فارغ ..
فقط بقيام دولة القرءان في القلوب تقم على الارض ويعم النفع والخـير باذن الله وسترد الحروب تلك بسلام الاسلام وسماحته .
وفقكم الله وبارك فيكم ،،

أضف تعليقاً

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.